محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا في صورة رجل في خلق رجل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يقول : لو بعثنا إليهم ملكا لجعلناه في صورة آدمي . حدثني محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا يقول : في صورة آدمي . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا قال : لجعلنا ذلك الملك في صورة رجل ، لم نرسله في صورة الملائكة . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ولو أنزلنا ملكا من السماء مصدقا لك يا محمد ، شاهدا لك عند هؤلاء العادلين بي الجاحدين آياتك على حقيقة نبوتك ، فجعلناه في صورة رجل من بني آدم إذ كانوا لا يطيقون رؤية الملك بصورته التي خلقته بها ، التبس عليهم أمره فلم يدروا ملك هو أم أنسي ، فلم يوقنوا به أنه ملك ولم يصدقوا به ، وقالوا : ليس هذا ملكا ، وللبسنا عليهم ما يلبسونه على أنفسهم من حقيقة أمرك وصحة برهانك وشاهدك على نبوتك . يقال منه : لبست عليهم الأمر ألبسه لبسا : إذا خلطته عليهم ، ولبست الثوب ألبسه لبسا ، واللبوس : اسم الثياب . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يقول : لشبهنا عليهم . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يقول : ما لبس قوم على أنفسهم إلا لبس الله عليهم ؛ واللبس : إنما هو من الناس . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يقول : شبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم . وقد روي عن ابن عباس في ذلك قول آخر ، وهو ما : حدثني به محمد بن سعيد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ فهم أهل الكتاب فارقوا دينهم وكذبوا رسلهم ، وهو تحريف الكلام عن مواضعه . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك ، في قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ يعني التحريف : هم أهل الكتاب ، فرقوا كتبهم ودينهم وكذبوا رسلهم ، فلبس الله عليهم ما لبسوا على أنفسهم . وقد بينا فيما مضى قبل أن هذه الآيات من أول السورة بأن تكون في أمر المشركين من عبدة الأوثان أشبه منها بأمر أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مسليا عنه بوعيده المستهزئين به عقوبة ما يلقى منهم من أذى الاستهزاء به والاستخفاف في ذات الله : هون عليك يا محمد ما أنت لاق من هؤلاء المستهزئين بك المستخفين بحقك في وفي طاعتي ، وامض لما أمرتك به من الدعاء إلى توحيدي والإقرار بي والإذعان لطاعتي ؛ فإنهم إن تمادوا في غيهم وأصروا على المقام على كفرهم ، نسلك بهم سبيل أسلافهم من سائر الأمم غيرهم من تعجيل النقمة لهم وحلول المثلاث بهم ، فقد استهزأت أمم من قبلك برسل أرسلتهم إليهم بمثل الذي أرسلتك به إلى قومك ، وفعلوا مثل فعل قومك بك ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يعني بقوله : فَحاقَ فنزل وأحاط بالذين هزئوا برسلهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ يقول : العذاب الذي كانوا يهزءون به وينكرون أن يكون واقعا بهم على ما أنذرتهم رسلهم . يقال منه : حاق بهم هذا الأمر يحيق بهم حيقا وحيوقا وحيقانا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا