محمد بن جرير الطبري
88
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بالاغتسال منها قبل دخولكم في صلاتكم التي قمتم إليها . ووحد الجنب وهو خبر عن الجميع ، لأنه اسم خرج مخرج الفعل ، كما قيل : رجل عدل وقوم عدل ، ورجل زور وقوم زور ، وما أشبه ذلك لفظ الواحد والجميع والاثنين والذكر والأنثى فيه واحد ، يقال منه : أجنب الرجل وجنب واجتنب والفعل الجنابة والإجناب ، وقد سمع في جمعه أجناب ، وليس ذلك بالمستفيض الفاشي في كلام العرب ، بل الفصيح من كلامهم ما جاء به القرآن . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ يعني بذلك جل ثناؤه : وإن كنتم جرحى أو مجدرين وأنتم جنب التيمم . وقد بينا أن ذلك كذلك فيما مضى بما أغنى عن إعادته . وأما قوله : أَوْ عَلى سَفَرٍ فإنه يقول : وإن كنتم مسافرين وأنتم جنب . يقول : أو جاء أحدكم من الغائط بعد قضاء حاجته فيه وهو مسافر ؛ وإنما عنى بذكر مجيئه منه قضاء حاجته فيه . أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ يقول : أو جامعتم النساء وأنتم مسافرون . وقد ذكرنا اختلاف المختلفين فيما مضى قبل في اللمس وبينا أولى الأقوال في ذلك بالصواب فيما مضى بما أغنى عن إعادته . فإن قال قائل : وما وجه تكرير قوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ إن كان معنى اللمس الجماع ، وقد مضى ذكر الواجب عليه بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ؟ قيل : وجه تكرير ذلك أن المعنى الذي ذكره تعالى من فرضه بقوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا غير المعنى الذي ألزمه بقوله : أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ وذلك أنه بين حكمه في قوله : وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا إذا كان له السبيل إلى الماء الذي يطهره فرض عليه الاغتسال به ثم بين حكمه إذا أعوزه الماء فلم يجد إليه السبيل وهو مسافر غير مريض مقيم ، فأعلمه أن التيمم بالصعيد له حينئذ الطهور . القول في تأويل قوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً يعني جل ثناؤه بقوله : فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فإن لم تجدوا أيها المؤمنون إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم مرضى مقيمون ، أو على سفر أصحاء ، أو قد جاء أحد منكم من قضاء حاجته ، أو جامع أهله في سفره ماء فتيمموا صعيدا طيبا ، يقول : فتعمدوا واقصدوا وجه الأرض طيبا ، يعني طاهرا نظيفا غير قذر ولا نجس ، جائزا لكم حلالا . فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يقول : فاضربوا بأيديكم الصعيد الذي تيممتموه وتعمدتموه بأيديكم ، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم مما علق بأيديكم منه ، يعني : من الصعيد الذي ضربتموه بأيديكم من ترابه وغباره . وقد بينا فيما مضى كيفية المسح بالوجوه والأيدي منه واختلاف المختلفين في ذلك والقول في معنى الصعيد والتيمم ، ودللنا على الصحيح من كل القول في ذلك بما أغنى عن تكريره في هذا الموضع . القول في تأويل قوله تعالى : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ يعني جل ثناؤه بقوله : ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ما يريد الله بما فرض عليكم من الوضوء إذا قمتم إلى صلاتكم ، والغسل من جنابتكم والتيمم صعيدا طيبا عند عدمكم الماء ، لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ليلزمكم في دينكم من ضيق ، ولا ليعنتكم فيه . وبما قلنا في معنى الحرج ، قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن خالد بن دينار ، عن أبي العالية ، وعن أبي مكين ، عن عكرمة في قوله : مِنْ حَرَجٍ الحرج قالا : من ضيق . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : مِنْ حَرَجٍ الحرج من ضيق . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . القول في تأويل قوله تعالى : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ولكن الله يريد أن يطهركم بما فرض عليكم من الوضوء من الأحداث والغسل من الجنابة ، والتيمم عند عدم الماء ، فتنظفوا وتطهروا بذلك أجسامكم من الذنوب . كما : حدثنا حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، قال : ثنا قتادة عن شهر بن حوشب ، عن أبي إمامة ، أن رسول الله صلى الله