محمد بن جرير الطبري

69

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

جل ثناؤه : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ نكاح أهل الكتاب الحرائر منهن ، والآية عامة في جميعهن ، فنكاح جميع الحرائر اليهود والنصارى جائز ، حربيات كن أو ذميات ، من أي أجناس اليهود والنصارى كن وهذا قول جماعة من المتقدمين والمتأخرين . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب والحسن : أنهما كانا لا يريان بأسا بنكاح نساء اليهود والنصارى ، وقالا : أحله الله على علم نكاح أهل الكتاب . وقال آخرون منهم : بل عنى بذلك : نكاح بني إسرائيل الكتابيات منهن خاصة دون سائر أجناس الأمم الذين دانوا باليهودية والنصرانية نكاح أهل الكتاب . وذلك قول الشافعي ومن قال بقوله . وقال آخرون : بل ذلك معنى به نساء أهل الكتاب الذين لهم من المسلمين ذمة وعهد نكاح أهل الكتاب ، فأما أهل الحرب فإن نساءهم حرام على المسلمين . ذكر من قال ذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا محمد بن عقبة ، قال : ثنا الفزاري ، عن سفيان بن حسين ، عن الحكم ، عن مقسم ، عن ابن عباس ، قال : من نساء أهل الكتاب من يحل لنا نكاح أهل الكتاب ، ومنهم من لا يحل لنا ، ثم قرأ : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤه ، ومن لم يعط الجزية لم يحل لنا نساؤه . قال الحكم : فذكرت ذلك لإبراهيم فأعجبه . وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قول من قال : عنى بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ حرائر المؤمنين وأهل الكتاب نكاح أهل الكتاب ، لأن الله جل ثناؤه لم يأذن بنكاح الإماء الأحرار في الحال التي أباحهن لهم إلا أن يكن مؤمنات ، فقال عز ذكره : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ فلم يبح منهن إلا المؤمنات ، فلو كان مرادا بقوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ العفائف نكاح المحصنات ، لدخل العفائف من إمائهم في الإباحة ، وخرج منها غير العفائف من حرائرهم وحرائر أهل الإيمان . وقد أحل الله لنا حرائر المؤمنات ، وإن كن قد أتين بفاحشة بقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ وقد دللنا على فساد قول من قال : لا يحل نكاح من أتى الفاحشة من نساء المؤمنين وأهل الكتاب للمؤمنين في موضع غير هذا بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، فنكاح حرائر المسلمين وأهل الكتاب حلال للمؤمنين ، كن قد أتين بفاحشة أو لم يأتين بفاحشة ، ذمية كانت أو حربية ، بعد أن تكون بموضع لا يخاف الناكح فيه على ولده أن يجبر على الكفر ، بظاهر قول الله جل وعز : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ فأما قول الذي قال : عنى بذلك نساء بني إسرائيل الكتابيات منهن خاصة ، فقول لا يوجب التشاغل بالبيان عنه لشذوذه والخروج عما عليه علماء الأمة من تحليل نساء جميع اليهود والنصارى . وقد دللنا على فساد قول قائل هذه المقالة من جهة القياس في غير هذا الموضع بما فيه الكفاية فكرهنا إعادته . وأما قوله : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ نكاح المحصنات فإن الأجر : العوض الذي يبذله الزوج للمرأة للاستمتاع بها ، وهو المهر . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ نكاح المحصنات يعني مهورهن المهر . القول في تأويل قوله تعالى : مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يعني بذلك جل ثناؤه : أحل لكم المحصنات من المؤمنات ، والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ، وأنتم محصنون غير مسافحين ولا متخذي أخدان . ويعني بقوله جل ثناؤه : مُحْصِنِينَ الإحصان أعفاء ؛ غَيْرَ مُسافِحِينَ يعني : لا معالنين بالسفاح بكل فاجرة وهو الفجور ؛ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ يقول : ولا منفردين ببغية واحدة قد خادنها وخادنته واتخذها لنفسه صديقة يفجر بها . وقد بينا معنى الإحصان ووجوهه ومعنى السفاح والخدن في غير هذا الموضع بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع