محمد بن جرير الطبري

57

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

و " تحتفوا " بالحاء والتخفيف ، ويحتمل الهمز . القول في تأويل قوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ يعني بذلك جل ثناؤه : يسألك يا محمد أصحابك ما الذي أحل لهم أكله من المطاعم والمآكل ، فقل لهم : أحل منها الطيبات ، وهي الحلال الذي أذن لكم ربكم في أكله من الذبائح ، وأحل لكم أيضا مع ذلك صيد ما علمتم من الجوارح ، وهن الكواسب من سباع البهائم والطير ، سميت جوارح لجرحها لأربابها وكسبها إياهم أقواتهم من الصيد ، يقال منه : جرح فلان لأهله خيرا : إذا أكسبهم خيرا ، وفلان جارحة أهله : يعني بذلك : كاسبهم ، ولا جارحة لفلانة إذا لم يكن لها كاسب ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة : ذات خد منضج مسيمها * تذكر الجارح ما كان اجترح يعني : اكتسب . وترك من قوله : وَما عَلَّمْتُمْ " وصيد " ما علمتم من الجوارح اكتفاء بدلالة ما ذكر من الكلام على ما ترك ذكره . وذلك أن القوم فيما بلغنا كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بقتل الكلاب عما يحل لهم اتخاذه منها وصيده ، فأنزل الله عز ذكره فيما سألوا عنه من ذلك هذه الآية فاستثنى مما كان حرم اتخاذه منها ، وأمر بقنية كلاب الصيد وكلاب الماشية وكلاب الحرث ، وأذن لهم باتخاذ ذلك . ذكر الخبر بذلك : حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا زيد بن حباب العكلي ، قال : ثنا موسى بن عبيدة ، قال : أخبرنا صالح عن القعقاع بن حكيم ، عن سلمى أم رافع ، عن أبي رافع ، قال : جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن عليه ، فأذن له ، فقال : " قد أذنا لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم " ، قال : أجل ، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب . قال أبو رافع : فأمرني أن أقتل كل كلب بالمدينة ، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ينبح عليها ، فتركته رحمة لها ، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته ، فأمرني ، فرجعت إلى الكلب فقتلته ، فجاءوا فقالوا : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما يحل لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها ؟ قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا رافع في قتل الكلاب ، فقتل حتى بلغ العوالي ، فدخل عاصم بن عدي وسعد بن خيثمة وعويم بن ساعدة ، فقالوا : ماذا أحل لنا يا رسول الله ؟ فنزلت : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ حدثنا المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، قال : حدثونا عن محمد بن كعب القرظي ، قال : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب ، قالوا : يا رسول الله ، فماذا يحل لنا من هذه الأمة ؟ فنزلت : يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ الآية ثم اختلف أهل التأويل في الجوارح التي عنى الله بقوله : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ فقال بعضهم هو كل ما علم الصيد فتعلمه من بهيمة أو طائر . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن في قوله : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال : كل ما علم فصاد : من كلب ، أو صقر ، أو فهد ، أو غيره . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن : الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال : كل ما علم فصاد من كلب أو فهد أو غيره . ابن حميد ، قال : ثنا ابن المبارك ، عن معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في صيد الفهد ، قال : هو من الجوارح . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال : الطير ، والكلاب . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن الحجاج ، عن عطاء ، عن القاسم أبي بزة ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن حميد ، عن مجاهد : الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال : من الكلاب والطير . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ قال : من الطير والكلاب . حدثنا المثني ، قال :