محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
في مجاعة ، وهي مفعلة مثل المجبنة والمبخلة والمنجبة ، من خمص البطن ، وهو اضطماره ، وأظنه هو في هذا الموضع معني به اضطماره من الجوع وشدة السغب ، وقد يكون في غير هذا الموضع اضطمارا من غير الجوع والسغب ، ولكن من خلقة ، كما قال نابغة بني ذبيان في صفة امرأة بخمص البطن : والبطن ذو عكن خميص لين * والنحر تنفجه بثدي مقعد فمعلوم أنه لم يرد صفتها بقوله خميص بالهزال والضر من الجوع ، ولكنه أراد وصفها بلطافة طي ما على الأوراك والأفخاذ من جسدها ، لأن ذلك مما يحمد من النساء . ولكن الذي في معنى الوصف بالاضطمار والهزال من الضر ، من ذلك ، قول أعشى بني ثعلبة : تبيتون في المشتى ملاء بطونكم * وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا يعني بذلك : يبتن مضطمرات البطون من الجوع والسغب والضر ، فمن هذا المعنى قوله : في مخمصة . وكان بعض نحويي البصرة يقول : المخمصة : المصدر من خمصه الجوع . وكان غيره من أهل العربية يرى أنها اسم للمصدر وليست بمصدر ؛ ولذلك تقع المفعلة اسما في المصادر للتأنيث والتذكير . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ يعني في مجاعة . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ أي في مجاعة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، مثله . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ قال : ذكر الميتة وما فيها وأحلها في الاضطرار . فِي مَخْمَصَةٍ يقول : في مجاعة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ قال : المخمصة : الجوع . القول في تأويل قوله تعالى : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعني بذلك جل ثناؤه : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ إلى أكل ما حرمت عليه منكم أيها المؤمنون من الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر ما حرمت عليه بهذه الآية . غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يقول : لا متجانفا لإثم ، فلذلك نصب " غير " لخروجها من الاسم الذي في قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ وبمعنى لا ، فنصب بالمعنى الذي كان به منصوبا المتجانف لو جاء الكلام : لا متجانفا . وأما المتجانف لإثم ، فإنه المتمايل له ، المنحرف إليه ، وهو في هذا الموضع مراد به المتعمد له القاصد إليه ، من جنف القوم علي إذا مالوا ، وكل أعوج فهو أجنف عند العرب وقد بينا معنى الجنف بشواهده في قوله : فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وأما تجانف أكل الميتة في أكلها وفي غيرها مما حرم الله أكله على المؤمنين بهذه الآية للإثم في حال أكله ، فهو تعمده الأكل لغير دفع الضرورة النازلة به ، ولكن لمعصية الله وخلاف أمره فيما أمره به من ترك أكل ذلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يعني : إلى ما حرم مما سمى في صدر هذه الآية : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ يقول : غير متعمد لإثم . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ غير متعمد لإثم ، قال : إلى حرم الله ما حرم ، رخص للمضطر الاضطرار إذا كان غير متعمد لإثم أن يأكله من جهد ؛ فمن بغى أو عدا أو خرج في معصية الله ، فإنه محرم عليه أن يأكله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ الاضطرار أي غير متعرض لمعصية . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة : غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ غير متعمد لإثم ، غير متعرض الاضطرار . حدثنا