محمد بن جرير الطبري

44

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بالانتهاء إلى ما حده الله لكم في القوم الذين صدوكم عن المسجد الحرام وفي غيرهم ، والانتهاء عما نهاكم الله أن تأتوا فيهم وفي غيرهم وفي سائر ما نهاكم عنه ، ولا يعن بعضكم بعضا على خلاف ذلك . وبما قلنا في البر والتقوى قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى البر : ما أمرت به ، والتقوى : ما نهيت عنه . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى قال : البر : ما أمرت به ، والتقوى : ما نهيت عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وهذا وعيد من الله جل ثناؤه وتهديد لمن اعتدى حده وتجاوز أمره . يقول عز ذكره : وَاتَّقُوا اللَّهَ يعني : واحذروا الله أيها المؤمنون أن تلقوه في معادكم وقد اعتديتم حده فيما حد لكم وخالفتم أمره فيما أمركم به أو نهيه فيما نهاكم عنه ، فتستوجبوا عقابه وتستحقوا أليم عذابه ثم وصف عقابه بالشدة ، فقال عز ذكره : إن الله شديد عقابه لمن عاقبه من خلقه ، لأنها نار لا يطفأ حرها ، ولا يخمد جمرها ، ولا يسكن لهبها . نعوذ بالله منها ومن عمل يقربنا منها . القول في تأويل قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ يعني بذلك جل ثناؤه : حرم الله عليكم أيها المؤمنون حرمة الميتة ، والميتة : كل ما له نفس سائلة من دواب البر وطيره ، مما أباح الله أكلها ، وأهليها ووحشيها ، فارقتها روحها بغير تذكية . وقد قال بعضهم : الميتة : هو كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية مما أحل الله أكله . وقد بينا العلة الموجبة صحة القول بما قلنا في ذلك في كتابنا كتاب اللطيف القول في الأحكام " . وأما حرمة الدم : فإنه الدم المسفوح دون ما كان منه غير مسفوح ، لأن الله جل ثناؤه قال : قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فأما ما كان قد صار في معنى اللحم كالكبد والطحال حال ، وما كان في اللحم غير منسفح ، فإن ذلك غير حرام ، لإجماع الجميع على ذلك . وأما قوله : وحرمت لَحْمُ الْخِنْزِيرِ فإنه يعني : وحرم عليكم لحم الخنزير ، أهليه وبريه . فالميتة والدم مخرجهما في الظاهر مخرج عموم ، والمراد منهما الخصوص وأما لحم الخنزير ، فإن ظاهره كباطنه وباطنه كظاهره ، حرام جميعه لم يخصص منه شيء . وأما قوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فإنه يعني : وما ذكر عليه غير اسم الله . وأصله من استهلال الصبي وذلك إذا صاح حين يسقط من بطن أمه ، ومنه إهلال المحرم بالحج إذا لبى به ، ومنه قول ابن أحمر : يهل بالفرقد ركبانها * كما يهل الراكب المعتمر وإنما عنى بقوله : وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وما ذبح للآلهة وللأوثان يسمى عليه غير اسم الله . وبالذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وقد ذكرنا الرواية عمن قال ذلك فيما مضى فكرهنا إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْمُنْخَنِقَةُ اختلفت أهل التأويل في صفة الانخناق الذي عنى الله جل ثناؤه بقوله وَالْمُنْخَنِقَةُ فقال بعضهم بما : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَالْمُنْخَنِقَةُ قال : التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة ، فتختنق فتموت . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو خالد الأحمر ، عن جويبر ، عن الضحاك ، في المنخنقة ، قال : التي تختنق فتموت . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : حدثنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ التي تموت في خناقها . وقال آخرون : هي المنخنقة التي توثق فيقتلها بالخناق وثاقها . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ ، يقول : أخبرنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : وَالْمُنْخَنِقَةُ قال : الشاة توثق ، فيقتلها خناقها ، فهي حرام . وقال آخرون : بل هي المنخنقة البهيمة من النعم ، كان المشركون يخنقونها حتى تموت ، فحرم الله أكلها . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس : وَالْمُنْخَنِقَةُ التي تخنق فتموت . حدثنا أنس قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا