محمد بن جرير الطبري

35

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب تأويل من قال : عنى بذلك : إلا ما يتلى عليكم من تحريم الله ما حرم عليكم بقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ الآية ، لأن الله عز وجل استثنى مما أباح لعباده من بهيمة حلية الأنعام ما حرم عليهم منها ، والذي حرم عليهم منها ما بينه في قوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وإن كان حرمه الله علينا فليس من بهيمة الأنعام فيستثنى منها ، فاستثناء ما حرم علينا مما دخل في جملة ما قبل الاستثناء أشبه من استثناء ما حرم مما لم يدخل في جملة ما قبل الاستثناء . القول في تأويل قوله تعالى : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حرم ، أحلت لكم بهيمة حلية الأنعام . فذلك على قولهم من المؤخر الذي معناه التقديم ، ف " غير " منصوب على قول قائلي هذه المقالة على الحال مما في قوله : " أوفوا " ، من ذكر الذين آمنوا . وتأويل الكلام على مذهبهم : أوفوا أيها المؤمنون بعقود الله التي عقدها عليكم في كتابه ، لا محلين الصيد وأنتم حرم . وقال آخرون : معنى ذلك : أحلت لكم بهيمة حلية الأنعام الوحشية من الظباء والبقر والحمر ، غير محلي الصيد : غير مستحلي اصطيادها ، وأنتم حرم ، إلا ما يتلى عليكم . ف " غير " على قول هؤلاء منصوب على الحال من الكاف والميم اللتين في قوله : " لكم " بتأويل : أحلت لكم أيها الذين آمنوا بهيمة الأنعام ، لا مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم . وقال آخرون : معنى ذلك : أحلت لكم بهيمة حلية الأنعام كلها ، إلا ما يتلى عليكم ، إلا ما كان منها وحشيا ، فإنه صيد فلا يحل لكم وأنتم حرم . فكأن من قال ذلك ، وجه الكلام إلى معنى : أحلت لكم بهيمة الأنعام كلها ، إلا ما يتلى عليكم ، إلا ما يبين لكم من وحشيها ، غير مستحلي اصطيادها في حال إحرامكم ، فتكون " غير " منصوبة على قولهم على الحال من الكاف والميم في قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا عبيد الله ، عن أبي جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، قال : جلسنا إلى مطرف بن الشخير وعنده رجل ، فحدثهم فقال : أحلت لكم بهيمة حلية الأنعام صيدا ، غير محلي الصيد وأنتم حرم ، فهو عليكم حرام . يعني : بقر الوحش والظباء وأشباهه . حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس في قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ قال : حلية الأنعام كلها حل إلا ما كان منها وحشيا ، فإنه صيد ، فلا يحل إذا كان محرما . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب على ما تظاهر به تأويل أهل التأويل في قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ من أنها حلية الأنعام وأجنتها وسخالها ، وعلى دلالة ظاهر التنزيل قول من قال : معنى ذلك : أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حرم ، فقد أحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم أو غيرها من أحوالكم ، إلا ما يتلى عليكم تحريمه من الميتة منها والدم وما أهل لغير الله به . وذلك أن قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ لو كان معناه : إلا الصيد ، لقيل : إلا ما يتلى عليكم من الصيد غير محليه ، وفي ترك الله وصل قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ بما ذكرت ، وإظهار ذكر الصيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أوضح الدليل على أن قوله : إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ خبر متناهية قصته ، وأن معنى قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ منفصل منه . وكذلك لو كان قوله : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ مقصودا به قصد الوحش ، لم يكن أيضا لإعادة ذكر الصيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وجه وقد مضى ذكره قبل ، ولقيل : أحلت لكم بهيمة الأنعام ، إلا ما يتلى عليكم ، غير محليه وأنتم حرم . وفي إظهاره ذكر الصيد في قوله : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ أبين الدلالة على صحة ما قلنا في معنى ذلك . فإن قال قائل : فإن العرب ربما أظهرت ذكر الشيء باسمه وقد جرى ذكره باسمه ؟ قيل : ذلك من فعلها ضرورة شعر ، وليس ذلك بالفصيح المستعمل من كلامهم ، وتوجيه كلام الله إلى الأفصح من لغات من نزل كلامه بلغته أولى ما وجد إلى ذلك سبيل من صرفه إلى غير ذلك . فمعنى الكلام إذن : يا أيها الذين آمنوا أوفوا بعقود الله التي عقد عليكم ، مما حرم وأحل ،