محمد بن جرير الطبري
31
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الأمر في ذلك بخلاف ما ذهبت إليه ، إنما جعل الله جل ثناؤه بقوله : إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى وكان موروثا كلالة ، النصف من تركته فريضة لها مسماة ؛ فأما إذا كان للميت ولد أنثى فهي مع عصبة يصير لها ما كان يصير للعصبة غيرها لو لم تكن ، وذلك غير محدود بحد ، ولا مفروض لها فرض سهام أهل الميراث بميراثهم عن ميتهم . ولم يقل الله في كتابه : فإن كان له ولد فلا شيء لأخته معه ، فيكون لما روي عن ابن عباس وابن الزبير في ذلك وجه يوجه إليه ، وإنما بين جل ثناؤه مبلغ حقها إذا ورث الميت كلالة وترك بيان ما لها من حق إذا لم يورث كلالة في كتابه وبينه بوحيه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت ، وذلك معنى غير معنى وراثتها الميت إذا كان موروثا كلالة . القول في تأويل قوله تعالى : وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ يعني جل ثناؤه بذلك : وأخو المرأة يرثها إن ماتت قبله إذا ورثت كلالة ولم يكن لها ولد ولا والد . القول في تأويل قوله : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالًا وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني جل ثناؤه بقوله : فَإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ فإن كانت المتروكة من الأخوات لأبيه وأمه أو لأبيه اثنتين ، فلهما ثلثا ما ترك أخوهما الميت إذا لم يكن له ولد وورث كلالة . وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً يعني : وإن كان المتروكون من إخوته رجالا ونساء . فَلِلذَّكَرِ منهم بميراثهم عنه من تركته مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يعني : مثل نصيب اثنتين من أخواته ، وذلك إذا ورث كلالة ، والإخوة والأخوات إخوته وأخواته لأبيه وأمه ، أو لأبيه . القول في تأويل قوله تعالى : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا يعني بذلك جل ثناؤه : يبين الله لكم قسمة مواريثكم ، وحكم الكلالة ، وكيف فرائضهم أَنْ تَضِلُّوا بمعنى : لئلا تضلوا في أمر المواريث وقسمتها : أي لئلا تجوروا عن الحق في ذلك ، وتخطئوا الحكم فيه ، فتضلوا عن قصد السبيل . كما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قال : في شأن المواريث . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا محمد بن حميد المعمري ، وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق قالا جميعا : أخبرنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، قال : كان عمر إذا قرأ : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا قال : اللهم من بينت له الكلالة فلم تبين لي . قال أبو جعفر : وموضع " أن " في قوله : يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا نصب في قول بعض أهل العربية لاتصالها بالفعل ، وفي قول بعضهم خفض ، بمعنى : يبين الله لكم بأن لا تضلوا ، ولئلا تضلوا ؛ وأسقطت " لا " من اللفظ وهي مطلوبة في المعنى ، لدلالة الكلام عليها ، والعرب تفعل ذلك ، تقول : جئتك أن تلومني ، بمعنى : جئتك أن لا تلومني ، كما قال القطامي في صفة ناقة : رأينا ما يرى البصراء فيها * فآلينا عليها أن تباعا بمعنى : ألا تباع . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعني بذلك جل ثناؤه : وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ من مصالح عباده في قسمة مواريثهم وغيرها وجميع الأشياء عَلِيمٌ يقول : هو بذلك كله ذو علم . [ تفسير سورة المائدة ] القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني جل ثناؤه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا يا أيها الذين أقروا بوحدانية الله وأذعنوا له بالعبودية ، وسلموا له الألوهية ، وصدقوا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم في نبوته وفيما جاءهم به من عند ربهم من شرائع دينه ، أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يعني : أوفوا بالعهود التي عاهدتموها ربكم والعقود التي عاقدتموها إياه ، وأوجبتم بها على أنفسكم حقوقا وألزمتم أنفسكم بها لله فروضا ، فأتموها بالوفاء والكمال