محمد بن جرير الطبري

196

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

انتهى إلى قوله : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ ، ثم قصد بقوله : أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الخبر عن الفريقين . القول في تأويل قوله تعالى : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ يقول تعالى ذكره : كلما جمع أمرهم على شيء فاستقام واستوى فأرادوا مناهضة من ناوأهم ، شتته الله عليهم وأفسده ، لسوء فعالهم وخبث نياتهم . كالذي : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، في قوله : لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ قال : كان الفساد الأول ، فبعث الله عليهم عدوا ، فاستباحوا الديار واستنكحوا النساء واستعبدوا الولدان وخربوا المسجد . فغيروا زمانا ، ثم بعث الله فيهم نبيا ، وعاد أمرهم إلى أحسن ما كان . ثم كان الفساد الثاني بقتلهم الأنبياء ، حتى قتلوا يحيى بن زكريا ، فبعث الله عليهم بختنصر ، قتل من قتل منهم وسبى من سبى وخرب المسجد ، فكان بختنصر للفساد الثاني . قال : والفساد : المعصية . ثم قال : فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ إلى قوله : وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا فبعث الله لهم عزيزا ، وقد كان علم التوراة وحفظها في صدره ، وكتبها لهم . فقام بها ذلك القرن ، ولبثوا ونسوا . ومات عزير ، وكانت أحداث ، ونسوا العهد ، وبخلوا ربهم ، وقالوا : يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وقالوا في عزيز : إن الله اتخذه ولدا . وكانوا يعيبون ذلك على النصارى في قولهم في المسيح ، فخالفوا ما نهوا عنه وعملوا بما كانوا يكفرون عليه . فسبق من الله كلمة عند ذلك أنهم لم يظهروا على عدو آخر الدهر ، فقال : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، فبعث الله عليهم المجوس الثلاثة أربابا ، فلم يزالوا كذلك والمجوس على رقابهم وهم يقولون : يا ليتنا أدركنا هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا ، عسى الله أن يفكنا به من المجوس والعذاب الهون فبعث محمدا صلى الله عليه وسلم ، وأسمه محمد ، وأسمه في الإنجيل أحمد ؛ فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ، قال : فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ وقال : فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ هم اليهود حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أولئك أعداء الله اليهود ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ، فلن تلقى اليهود ببلد إلا وجدتهم من أذل أهله ، لقد جاء الإسلام حين جاء وهم تحت أيدي المجوس أبغض خلقه إليه حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ قال : كلما أجمعوا أمرهم على شيء فرقه الله ، وأطفأ حدهم ونارهم ، وقذف في قلوبهم الرعب وقال مجاهد بما : حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد قوله : كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ قال : حرب محمد صلى الله عليه وسلم القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يقول تعالى ذكره : ويعمل هؤلاء اليهود والنصارى بمعصية الله ، فيكفرون بآياته ويكذبون رسله ويخالفون أمره ونهيه ، وذلك سعيهم فيها بالفساد . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ يقول : والله لا يحب من كان عاملا بمعاصيه في أرضه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا يقول تعالى ذكره : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ وهم اليهود والنصارى ، آمَنُوا بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم فصدقوه واتبعوه وما أنزل عليه . وَاتَّقَوْا ما نهاهم الله عنه فاجتنبوه . لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ يقول : محونا عنهم ذنوبهم ، فغطينا عليها ولم