محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لائم لهم في ذلك . وأما قوله : ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ فإنه يعني : هذا النعت الذي نعتهم به تعالى ذكره من أنهم أذلة على المؤمنين ، أعزة على الكافرين ، يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، فضل الله الذي تفضل به عليهم ، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه ، منه عليه وتطولا . وَاللَّهُ واسِعٌ يقول : والله جواد بفضله على من جاد به عليه ، لا يخاف نفاد خزائنه فيكف من عطائه . عَلِيمٌ بموضع جوده وعطائه ، فلا يبذله إلا لمن استحقه ولا يبذل لمن استحقه إلا على قدر المصلحة لعلمه بموضع صلاحه له من موضع ضره . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ يعني تعالى ذكره بقوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ليس لكم أيها المؤمنون ناصر إلا الله ورسوله والمؤمنون ، الذين صفتهم ما ذكر تعالى ذكره . فأما اليهود والنصارى الذين أمركم الله أن تبرءوا من ولايتهم ونهاكم أن تتخذوا منهم أولياء ، فليسوا لكم أولياء ولا نصراء ، بل بعضهم أولياء بعض ، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا . وقيل : إن هذه الآية نزلت في عبادة بن الصامت في تبرئة من ولاية يهود بني قينقاع وحلفهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا يونس بن بكير ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : ثني والدي إسحاق بن يسار ، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت ، قال : لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج ، فخلعهم إلى رسول الله ، وتبرأ إلى الله وإلى رسوله من حلفهم ، وقال : أتولى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأ من حلف الكفار وولايتهم ففيه نزلت : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ لقول عبادة : أتولى الله ورسوله والذين آمنوا ، وتبرئه من بني قينقاع وولايتهم . إلى قوله : فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، قال : سمعت أبي إدريس ، عن عطية بن سعد ، قال : جاء عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ذكر نحوه . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا يعني : أنه من أسلم تولى الله ورسوله وأما قوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ فإن أهل التأويل اختلفوا في المعني به ، فقال بعضهم : عني به علي بن أبي طالب . وقال بعضهم : عني به جميع المؤمنين . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : ثم أخبرهم بمن يتولاهم ، فقال : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ هؤلاء جميع المؤمنين ، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد ، فأعطاه خاتمه حدثنا هناد بن السري ، قال : لنا عبدة ، عن عبد الملك ، عن أبي جعفر ، قال : سألته عن هذه الآية : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ قلنا : من الذين آمنوا ؟ قال : الذين آمنوا قلنا : بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب ، قال : علي من الذين آمنوا حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا المحاربي ، عن عبد الملك ، قال : سألت أبا جعفر ، عن قول الله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ، وذكر نحو حديث هناد عن عبدة حدثنا إسماعيل بن إسرائيل الرملي ، قال : ثنا أيوب بن سويد ، قال : ثنا عتبة بن أبي حكيم في هذه الآية : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال : علي بن أبي طالب حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز قال : ثنا غالب بن عبيد الله ، قال : سمعت مجاهد أيقول في قوله : إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ الآية ، قال : نزلت في علي بن أبي طالب ، تصدق وهو راكع القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ وهذا