محمد بن جرير الطبري
172
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وهدى وموعظة للمتقين ، وكي يحكم أهل الإنجيل بما أنزلنا فيه ؛ فبدلوا حكمه وخالفوه ، فضلوا بخلافهم إياه ، إذ لم يحكموا بما أنزل الله فيه وخالفوه . فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ يعني : الخارجين عن أمر الله فيه ، المخالفين له فيما أمرهم ونهاهم في كتابه . فاما إذا قرئ بتسكين اللام ، فتأويله : وآتينا عيسى ابن مريم الإنجيل ، فيه هدى ونور ، ومصدقا لما بين يديه من التوراة ، وأمرنا أهله أن يحكموا بما أنزلنا فيه ، فلم يطيعونا في أمرنا إياهم بما أمرناهم به فيه ، ولكنهم خالفوا أمرنا ، فالذين خالفوا أمرنا الذي أمرناهم به فيه هم الفاسقون . وكان ابن زيد يقول : الفاسقون في هذا الموضع وفي غيره : هم الكاذبون . حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ قال : ومن لم يحكم من أهل الإنجيل أيضا بذلك ، فأولئك هم الفاسقون ؛ قال : الكاذبون بهذا . قال : وقال ابن زيد : كل شيء في القرآن إلا قليلا " فاسق " فهو كاذب ؛ وقرأ قول الله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ قال : الفاسق هاهنا : كاذب . وقد بينا معنى الفسق بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع القول في تأويل قوله تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ وهذا خطاب من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، يقول تعالى ذكره : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ ، وهو القرآن الذي أنزله عليه . ويعني بقوله : بِالْحَقِّ بالصدق ، ولا كذب فيه ، ولا شك أنه من عند الله . مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ يقول : أنزلناه بتصديق ما قبله من كتب الله التي أنزلها إلى أنبيائه . وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يقول : أنزلنا الكتاب الذي أنزلناه إليك يا محمد مصدقا للكتب قبله ، وشهيدا عليها أنها حق من عند الله ، أمينا عليها ، حافظا لها . وأصل الهيمنة : الحفظ والارتقاب ، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده : قد هيمن فلان عليه ، فهو يهيمن هيمنة ، وهو عليه مهيمن . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . إلا أنهم اختلفت عباراتهم عنه ، فقال بعضهم : معناه : شهيدا . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ يقول : شهيدا حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ قال : شهيدا عليه حدثني بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ يقول : الكتب التي خلت قبله ، وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ أمينا وشاهدا على الكتب التي خلت قبله حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ مؤتمنا على القرآن وشاهدا ومصدقا . وقال ابن جريج وآخرون : القرآن أمين على الكتب فيما إذ أخبرنا أهل الكتاب في كتابهم بأمر إن كان في القرآن فصدقوا ، وإلا فكذبوا وقال بعضهم : معناه : أمين عليه . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، وحدثنا هناد بن السري ، قال : ثنا وكيع جميعا ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ قال : مؤتمنا عليه حدثنا محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا أبو الأحوص ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس في قوله : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ قال : مؤتمنا عليه حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا هناد ، قال : ثنا وكيع ، عن سفيان وإسرائيل ، عن أبي إسحاق بإسناده ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عطية ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس ، مثله . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عمرو ، عن مطرف ، عن أبي إسحاق ، عن رجل من تميم ، عن ابن عباس ، مثله . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية