محمد بن جرير الطبري
167
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لم يحكم بما أنزل الله ، فكيف جعلته خاصا ؟ قيل : إن الله تعالى عمم بالخبر بذلك عن قوم كانوا بحكم الله الذي حكم به في كتابه جاحدين فأخبر عنهم أنهم بتركهم الحكم على سبيل ما تركوه كافرون . وكذلك القول في كل من لم يحكم بما أنزل الله جاحدا به ، هو بالله كافر ، كما قال ابن عباس ؛ لأنه بجحوده حكم الله بعد علمه أنه أنزله في كتابه نظير جحوده نبوة نبيه بعد علمه أنه نبي . القول في تأويل قوله تعالى : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ القصاص يقول تعالى ذكره : وكتبنا على هؤلاء اليهود الذين يحكمونك يا محمد ، وعندهم التوراة فيها حكم الله . ويعني بقوله : كَتَبْنا فرضنا عليهم فيها أن يحكموا في النفس إذا قتلت نفسا بغير حق بالنفس ، يعني : أن تقتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة . وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ يقول : وفرضنا عليهم فيها أن يفقئوا العين التي فقأ صاحبها مثلها من نفس أخرى بالعين المفقوأة ، ويجدع الأنف بالأنف ، ويقطع الأذن بالأذن ، ويقلع السن بالسن ، ويقتص من الجارح غيره ظلما للمجروح . وهذا إخبار من الله تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن اليهود ، وتعزية منه له عن كفر من كفر منهم به بعد إقراره بنبوته وإدباره عنه بعد إقباله ، وتعريف منه له جراءتهم قديما وحديثا على ربهم وعلى رسل ربهم وتقدمهم على كتاب الله بالتحريف والتبديل ؛ يقول تعالى ذكره له : وكيف يرضى هؤلاء اليهود يا محمد بحكمك إذا جاءوا يحكمونك وعندهم التوراة التي يقرون بها أنها كتابي ووحيي إلى رسولي موسى صلى الله عليه وسلم فيها حكمي بالرجم على الزناة المحصنين ، وقضائي بينهم أن من قتل نفسا ظلما فهو بها قود ، ومن فقأ عينا بغير حق فعينه بها مفقوءة قصاصا ، ومن جدع أنفا فأنفه به مجدوع ، ومن قلع سنا فسنه بها مقلوعة ، ومن جرح غيره جرحا فهو مقتص منه مثل الجرح الذي جرحه ، ثم هم مع الحكم الذي عنده في التوراة من أحكامي يتولون عنه ويتركون العمل به ؛ يقول : فهم بترك حكمك وبسخط قضائك بينهم أحرى وأولى . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : لما رأت قريظة النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بالرجم وكانوا يخفونه في كتابهم ، نهضت قريظة ، فقالوا : يا محمد اقض بيننا وبين إخواننا بني النضير وكان بينهم دم قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانت النضير يتعززون على بني قريظة ودياتهم على أنصاف ديات النضير ، وكانت الدية من وسوق التمر أربعين ومئة وسق ل بني النضير وسبعين وسقا ل بني قريظة . فقال : " دم القرظي وفاء من دم النضيري " . فغضب بنو النضير ، وقالوا : لا نطيعك في الرجم ، ولكن نأخذ بحدودنا التي كنا عليها فنزلت : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ، ونزل : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ الآية حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ القصاص قال : فما بالهم يخالفون ، يقتلون النفسين بالنفس ، ويفقئون العينين بالعين ؟ حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا خلاد الكوفي ، قال : ثنا الثوري ، عن السدي ، عن أبي مالك ، قال : كان بين حيين من الأنصار قتال ، فكان بينهم قتلى ، وكان لأحد الحيين على الآخر طول . فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فجعل يجعل الحر بالحر ، والعبد بالعبد ، والمرأة بالمرأة ؛ فنزلت : الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ قال سفيان : بلغني عن ابن عباس أنه قال : نسختها : النَّفْسَ بِالنَّفْسِ القصاص حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ فيها في التوراة ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ حتى : وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ قال مجاهد عن ابن عباس ، قال : كان على بني إسرائيل القصاص في القتلى ، ليس بينهم دية في نفس ولا جرح . قال : وذلك قول الله تعالى ذكره : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها في التوراة ، فخفف الله عن أمة محمد