محمد بن جرير الطبري

159

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عنهم إن شاء ، ثم أنزل الله تعالى الآية التي بعدها : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ إلى قوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ فأمر الله نبيه أن يحكم بينهم بما أنزل الله بعد ما رخص له إن شاء أن يعرض عنهم حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن عبد الكريم الجزري : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عدي بن عدي : إذا جاءك أهل الكتاب فاحكم بينهم الحكم بين أهل الكتاب حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن السدي ، عن عكرمة قال : نسخت بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن الزهري ، قوله : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الحكم بين أهل الكتاب قال : مضت السنة أن يردوا في حقوقهم ومواريثهم إلى أهل دينهم ، إلا أن يأتوا راغبين في حد يحكم بينهم فيه بكتاب الله حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : لما نزلت : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الحكم بين أهل الكتاب كان النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء حكم بينهم ، وإن شاء أعرض عنهم . ثم نسخها فقال : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وكان مجبورا على أن يحكم بينهم حدثنا محمد بن عمار ، قال : ثنا سعيد بن سليمان ، قال : ثنا عباد بن العوام ، عن سفيان ين حسين ، عن الحكم ، عن مجاهد ، قال : آيتان نسختا من هذه السورة ، يعني المائدة ، آية القلائد ، وقوله : فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ الحكم بين أهل الكتاب ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم مخيرا ، إن شاء حكم ، وإن شاء أعرض عنهم ، فردهم إلى أن يحكم بينهم بما في كتابنا وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال : إن حكم هذه الآية ثابت لم ينسخ ، وإن للحكام من الخيار في الحكم بين أهل العهد إذا ارتفعوا إليهم فاحتكموا وترك الحكم بينهم والنظر مثل الذي جعله الله لرسوله صلى الله عليه وسلم من ذلك في هذه الآية الحكم بين أهل الكتاب . وإنما قلنا : ذلك أولاهما بالصواب ، لأن القائلين أن حكم هذه الآية منسوخ زعموا أنه نسخ بقوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ ، وقد دللنا في كتابنا : " كتاب البيان عن أصول الأحكام " أن النسخ لا يكون نسخا إلا ما كان نفيا لحكم غيره بكل معانيه ، حتى لا يجوز اجتماع الحكم بالأمرين جميعا على صحته بوجه من الوجوه ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . وإذ كان ذلك كذلك ، وكان غير مستحيل في الكلام أن يقال : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ، ومعناه : وأن احكم بينهم بما أنزل الله إذ حكمت بينهم باختيارك الحكم بينهم إذا اخترت ذلك ولم تختر الإعراض عنهم ، إذ كان قد تقدم إعلام المقول له ذلك من قائله أن له الخيار في الحكم وترك الحكم ؛ كان معلوما بذلك أن لا دلالة في قوله : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أنه ناسخ قوله : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ لما وصفنا من احتمال ذلك ما بينا ، بل هو دليل على مثل الذي دل عليه قوله : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وإذا لم يكن في ظاهر التنزيل دليل على نسخ إحدى الآيتين الأخرى ، ولا نفي أحد الأمرين حكم الآخر ، ولم يكن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر يصح بأن أحدهما ناسخ صاحبه ، ولا من المسلمين على ذلك إجماع ؛ صع ما قلنا من أن كلا الأمرين يؤيد أحدهما صاحبه ويوافق حكمه حكمه ولا نسخ في أحدهما للآخر . وأما قوله : وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً فإن معناه : وإن تعرض يا محمد عن المحتكمين إليك من أهل الكتاب فتدع النظر بينهم فيما احتكموا فيه إليك ، فلا تحكم فيه بينهم ، فلن يضروك شيئا ، يقول : فلن يقدروا لك على ضر في دين ولا دنيا ، فدع النظر بينهم إذا اخترت ترك النظر بينهم . وأما قوله : وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ فإن معناه : وإن اخترت الحكم والنظر يا محمد بين أهل العهد إذا أتوك ، فاحكم بينهم بالقسط ، الحكم بين أهل الكتاب وهو العدل ، وذلك هو الحكم بما جعله الله