محمد بن جرير الطبري

151

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ابن شهاب ، قال : أخبرني رجل من مزينة ممن يتبع العلم ويعيه ، حدث عن سعيد بن المسيب ، أن أبا هريرة قال : بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ جاءه رجل من اليهود ، وكانوا قد أشاروا في صاحب لهم زنى بعد ما أحصن ، فقال بعضهم لبعض : إن هذا النبي قد بعث ، وقد علمتم أن قد فرض عليكم الرجم في التوراة فكتمتموه واصطلحتم بينكم على عقوبة دونه ، فانطلقوا فنسأل هذا النبي ، فإن أفتانا بما فرض علينا في التوراة من الرجم تركنا ذلك ، فقد تركنا ذلك في التوراة ، فهي أحق أن تطاع وتصدق . فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم إنه زنى صاحب لنا قد أحصن ، فما ترى عليه من العقوبة ؟ قال أبو هريرة : فلم يرجع إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قام وقمنا معه ، فأنطلق يوم مدراس اليهود حتى أتاهم ، فوجدهم يتدارسون التوراة في بيت المدراس ، فقال لهم : " يا معشر اليهود أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ماذا تجدون في التوراة من العقوبة على من زنى وقد أحصن " ؟ قالوا : إنا نجده يحمم ويجلد . وسكت حبرهم اليهود في جانب البيت . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم صمته ألظ به النشدة ، فقال حبرهم اليهود : اللهم إذ نشدنا فإنا نجد عليهم الرجم . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله " ؟ قال : زنى ابن عم ملك فلم يرجمه ، ثم زنى رجل آخر في أسرة من الناس ، فأراد ذلك الملك رجمه ، فقام دونه قومه ، فقالوا : والله لا ترجمه حتى ترجم فلانا ابن عم الملك فاصطلحوا بينهم عقوبة دون الرجم ، وتركوا الرجم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فإني أقضي بما في التوراة " . فأنزل الله في ذلك : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إلى قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ وقال آخرون : بل عني بذلك المنافقون . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير في قوله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ قال : هم المنافقون حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ قال : يقول هم المنافقون وأولى الأقوال في ذلك عندي بالصواب أن يقال : عني بذلك : لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ قوم من المنافقين . وجائز أن يكون كان ممن دخل في هذه الآية ابن صوريا ، وجائز أن يكون أبو لبابة ، وجائز أن يكون غيرهما . غير أن أثبت شيء روي في ذلك ما ذكرناه من الرواية قبل عن أبي هريرة والبراء بن عازب ، لأن ذلك عن رجلين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا كان ذلك كذلك ، كان الصحيح من القول فيه أن يقال : عني به عبد الله بن صوريا . وإذا صح ذلك كان تأويل الآية : يا أيها الرسول لا يحزيك الذين يسارعون في جحود نبوتك والتكذيب بأنك لي نبي من الذين قالوا : صدقنا بك يا محمد أنك لله رسول مبعوث ، وعلمنا بذلك يقينا بوجودنا صفتك في كتابنا ؛ وذلك أن في حديث أبي هريرة الذي رواه ابن إسحاق ، عن الزهري ، أن ابن صوريا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعلمون أنك نبي مرسل ، ولكنهم يحسدونك . فذلك كان على هذا الخبر من ابن صوريا إيمانا برسول الله صلى الله عليه وسلم بفيه ، ولم يكن مصدقا لذلك بقلبه ، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم مطلعه على ضمير ابن صوريا وأنه لم يؤمن بقلبه ، يقول : ولم يصدق قلبه بأنك لله رسول مرسل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يقول جل ثناؤه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : يا أيها الرسول ، لا يحزنك تسرع من تسرع من هؤلاء المنافقين الذين يظهرون بألسنتهم تصديقك ، وهم معتقدون تكذيبك إلى الكفر بك ، ولا تسرع اليهود إلى جحود نبوتك . ثم وصف جل ذكره صفتهم ونعتهم له بنعوتهم الذميمة وأفعالهم الرديئة ، وأخبره معزيا له على ما يناله