محمد بن جرير الطبري
148
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما قطع السارق يقول جل ثناؤه : ومن سرق من رجل أو امرأة ، فاقطعوا أيها الناس يده . ولذلك رفع السارق والسارقة ، لأنهما غير معينين ، ولو أريد بذلك سارق وسارقة بأعيانهما لكان وجه الكلام النصب . وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يقرأ ذلك السارق والسارقة أيديهما : " والسارقون والسارقات " . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن ابن عون ، عن إبراهيم ، قال : في قراءتنا قال : وربما قال في قراءة عبد الله : " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما " حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا ابن علية ، عن ابن عون ، عن إبراهيم : في قراءتنا : السارق والسارقة أيديهما " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهما " وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من معناه ، وصحة الرفع فيه ، وأن السارق والسارقة مرفوعان بفعلهما على ما وصفت للعلل التي وصفت . وقال تعالى ذكره : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما قطع السارق والمعنى أيديهما اليمنى ؛ كما : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما اليمنى قطع السارق حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر ، قال : في قراءة عبد الله : السارق والسارقة أيديهما " والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما " ثم اختلفوا في السارق الذي عناه الله قطع السارق ، فقال بعضهم : عنى بذلك سارق ثلاثة دراهم فصاعدا ؛ وذلك قول جماعة من أهل المدينة ، منهم مالك بن أنس ومن قال بقوله . واحتجوا لقولهم ذلك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم " . وقال آخرون : بل عنى بذلك : سارق ربع دينار أو قيمته قطع السارق . وممن قال ذلك الأوزاعي ومن قال بقوله . واحتجوا لقولهم ذلك بالخبر الذي روي عن عائشة أنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القطع في ربع دينار فصاعدا " . وقال آخرون : بل عنى بذلك سارق عشرة دراهم فصاعدا قطع السارق . وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه . واحتجوا في ذلك بالخبر الذي روي عن عبد الله بن عمر وابن عباس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم " قطع في مجن قيمته عشرة دراهم " . وقال آخرون : بل عني بذلك سارق القليل والكثير قطع السارق . واحتجوا في ذلك بأن الآية على الظاهر ، وأنه ليس لأحد أن يخص منها شيئا إلا بحجة يجب التسليم لها . وقالوا : لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر بأن ذلك في خاص من السراق . قالوا : والأخبار فيما قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطربة مختلفة ، ولم يرو عنه أحد أنه أتي بسارق درهم فخلى عنه ، وإنما رووا عنه أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم . قالوا : وممكن أن يكون لو أتى بسارق ما قيمته دانق أن يقطع . قالوا : وقد قطع ابن الزبير في درهم . وروي عن ابن عباس أنه قال : الآية على العموم . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبد المؤمن ، عن نجدة الحنفي ، قال : سألت ابن عباس عن قوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ قطع السارق أخاص أم عام ؟ . فقال : بل عام . والصواب من القول في ذلك عندنا قول من قال : الآية معني بها خاص من السراق ، وهم سراق ربع دينار فصاعدا أو قيمته ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القطع في ربع دينار فصاعدا " . قطع السارق وقد استقصيت ذكر أقوال المختلفين في ذلك مع عللهم التي اعتلوا بها لأقوالهم ، والتلميح عن أولاها بالصواب بشواهده في كتابنا كتاب السرقة ، فكرهنا إطالة الكتاب بإعادة ذلك في هذا الموضع . وقوله : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ يقول : مكافأة لهما على سرقتهما وعملهما في التلصص بمعصية الله . نَكالًا مِنَ اللَّهِ يقول : عقوبة من الله على لصوصيتهما . وكان قتادة يقول في ذلك ما : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ قطع السارق لا ترثوا لهم أن تقيموا فيهم الحدود ، فإنه والله ما أمر الله بأمر قط إلا وهو صلاح ، ولا نهى عن أمر قط إلا وهو فساد . وكان عمر بن الخطاب يقول : اشتدوا على السراق فاقطعوهم يدا يدا ورجلا رجلا . وقوله : وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يقول جل ثناؤه : والله عزيز في انتقامه من هذا السارق والسارقة وغيرهما من أهل معاصيه ، حكيم في حكمه فيهم وقضائه عليهم .