محمد بن جرير الطبري
128
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن مجاهد في قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قال : وارى الغراب الغراب . قال : كان يحمله على عاتقه مائة سنة لا يدري ما يصنع به ، يحمله ويضعه إلى الأرض حتى رأى الغراب يدفن الغراب ، فقال : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ حدثني المثني ، قال : ثنا معلى بن أسد ، قال : ثنا خالد ، عن حصين ، عن أبي مالك في قول الله : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ قال : بعث الله غرابا ، فجعل يبحث على غراب ميت التراب ، قال : فقال عند ذلك أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ بعث الله غرابا حيا إلى غراب ميت ، فجعل الغراب الحي يواري سوأة الغراب الميت ، فقال ابن آدم الذي قتل أخاه : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ الآية . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق فيما يذكر عن بعض أهل العلم بالكتاب الأول ، قال : لما قتله سقط في يديه ، ولم يدر كيف يواريه ، وذلك أنه كان فيما يزعمون أول قتيل من بني آدم ، وأول ميت قال يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي الآية . [ ويزعم أهل التوراة أن قابيل حين قتل أخاه هابيل ، قال له جل ثناؤه : يا قابيل أين أخوك هابيل ؟ قال : ما أدري ما كنت عليه رقيبا . فقال الله جل وعز له : إن صوت دم أخيك ليناديني من الأرض ، الآن أنت ملعون من الأرض التي فتحت فاها فبلعت دم أخيك من يدك ، فإذا أنت عملت في الأرض ، فإنها لا تعود تعطيك حرثها حتى تكون فزعا مائها في الأرض . قال قابيل : عظمت خطيئتي عن أن تغفرها ، قد أخرجتني اليوم عن وجه الأرض ، وأتوارى من قدامك ، وأكون فزعا تائها في الأرض ، وكل من لقيني قتلني فقال جل وعز : ليس ذلك كذلك ، ولا يكون كل قاتل قتيلا يجزي واحدا ، ولكن يجزي سبعة ، وجعل الله في قابيل آية ، لئلا يقتله كل من وجده . وخرج قابيل من قدام الله عز وجل ، من شرقي عدن الجنة . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا جابر بن نوح ، قال : ثنا الأعمش ، عن خيثمة ، قال : لما قتل ابن آدم أخاه نشفت الأرض دمه ، فلعنت ، فلم تنشف الأرض ما بعد . فتأويل الكلام : فأثار الله للقاتل إذ لم يدر ما يصنع بأخيه المقتول غرابا يبحث في الأرض ، يقول : يحفر في الأرض ، فيثير ترابها ليريه كيف يواري سوءة أخيه ، يقول : ليريه كيف يواري جيفة أخيه . وقد يحتمل أن يكون عنى بالسوءة الفرج ، غير أن الأغلب من معناه ما ذكرت من الجيفة ، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل . وفي ذلك محذوف ترك ذكره ، استغناء بدلالة ما ذكر منه ، وهو : فأراه بأن بحث في الأرض لغراب آخر ميت ، فواراه فيها ، فقال القاتل أخاه حينئذ : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ الذي وارى الغراب الآخر الميت فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فواراه حينئذ فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على ما فرط منه من معصية الله عز ذكره في قتله أخاه . وكل ما ذكر الله عز وجل في هذه الآيات ، مثل ضربه الله لبني آدم ، وحرض به المؤمنين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعمال العفو والصفح عن اليهود ، الذين كانوا هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتلهم من بني النضير ، إذ أتوهم يستعينونهم في دية قتيلي عمرو بن أمية الضمري ، وعرفهم جل وعز رداءة سجية أوائلهم وسوء استقامتهم على منهج الحق مع كثرة أياديه وآلائه عندهم ، وضرب مثلهم في عدوهم ومثل المؤمنين في الوفاء لهم والعفو عنهم بابني آدم المقربين قرابينهم اللذين ذكرهما الله في هذه الآيات . ثم ذلك مثل لهم على التأسي بالفاضل منهما دون الطالح ، وبذلك