محمد بن جرير الطبري

123

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن يكون كان عن أمر الله إياهما بذلك ، وجائز أن يكون عن غير أمره . غير أنه أي ذلك كان فلم يقربا ذلك إلا طلب قربة إلى الله إن شاء الله . وأما تأويل قوله : قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ فإن معناه : قال الذي لم يتقبل منه قربانه للذي تقبل منه قربانه : لأقتلنك فترك ذكر المتقبل قربانه والمردود عليه قربانه ، استغناء بما قد جرى من ذكرهما عن إعادته ، وكذلك ترك ذكر المقبل قربانه مع قوله : قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ وبنحو ما قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس : حدثنا محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ فقال له أخوه : ما ذنبي إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ قال : يقول : إنك لو اتقيت الله في قربانك تقبل منك ، جئت بقربان مغشوش بأشر ما عندك ، وجئت أنا بقربان طيب بخير ما عندي ؛ قال : وكان قال : يتقبل الله منك ولا يتقبل مني . ويعني بقوله : مِنَ الْمُتَّقِينَ من الذين اتقوا الله وخافوه بأداء ما كلفهم من فرائضه واجتناب ما نهاهم عنه من معصيته . وقد قال جماعة من أهل التأويل : المتقون في هذا الموضع الذين اتقوا الشرك . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا عبيد بن سليمان ، عن الضحاك ، قوله : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الذين يتقون الشرك . وقد بينا معنى القربان فيما مضى ، وأنه الفعلان من قول القائل : قرب ، كما الفرقان : الفعلان من فرق ، والعدوان من عدا . وكانت قرابين الأمم الماضية قبل أمتنا كالصدقات والزكوات فينا ، غير أن قرابينهم كان يعلم المتقبل منها وغير المتقبل فيما ذكر بأكل النار ما تقبل منها وترك النار ما لم يتقبل منها . والقربان في أمتنا : الأعمال الصالحة : من الصلاة ، والصيام ، والصدقة على أهل المسكنة ، وأداء الزكاة المفروضة ، ولا سبيل لها إلى العلم في عاجل بالمتقبل منها والمردود . وقد ذكر عن عامر بن عبد الله العنبري ، أنه حين حضرته الوفاة بكى ، فقيل له : ما يبكيك ، فقد كنت وكنت ؟ فقال : يبكيني أني أسمع الله يقول : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حدثني بذلك محمد بن عمر المقدمي ، قال : ثني سعيد بن عامر ، عن همام ، عمن ذكره ، عن عامر . وقد قال بعضهم : قربان المتقين : الصلاة . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص بن غياث ، عن عمران بن سليم ، عن عدي بن ثابت ، قال : كان قربان المتقين : الصلاة . القول في تأويل قوله تعالى : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ وهذا خبر من الله تعالى ذكره عن المقتول من ابني آدم أنه قال لأخيه لما قال له أخوه القاتل لأقتلنك : والله لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ يقول : مددت إلي يدك لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ يقول : ما أنا بماد يدي إليك لِأَقْتُلَكَ وقد اختلف في السبب الذي من أجله قال المقتول ذلك لأخيه ولم يمانعه ما فعل به ، فقال بعضهم : قال ذلك إعلاما منه لأخيه القاتل أنه لا يستحل قتله ولا بسط يده إليه بما لم يأذن الله به . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف عن أبي المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو ، أنه قال : وأيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ، ولكن منعه التحرج أن يبسط إلى أخيه . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لا أنا بمنتصر ، ولأمسكن يدي عنك . وقال آخرون : لم يمنعه مما أراد من قتله ، وقال ما قال له مما قص الله في كتابه . إلا أن الله عز ذكره فرض عليهم أن لا يمتنع من أريد قتله ممن أراد ذلك منه . ذكر من قال ذلك : حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا رجل ، سمع مجاهد أيقول في قوله : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ قال مجاهد : كان كتب الله عليهم : إذا أراد الرجل أن يقتل رجلا تركه