محمد بن جرير الطبري

120

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يبسطوا أيديهم إليكم ، عليك وعلى أصحابك معك ، وعرفهم مكروه عاقبة الظلم والمكر ، وسوء مغبة الجور ونقض العهد ، وما جزاء الناكث وثواب الوافي ، خبر ابني آدم هابيل وقابيل ، وما آل إليه أمر المطيع منهما ربه الوافي بعهده ، وما إليه صار أمر العاصي منهما ربه الجائر الناقض عهده ؛ فلتعرف بذلك اليهود وخامة غب عدوهم ، ونقضهم ميثاقهم بينك وبينهم ، وهمهم بما هموا به من بسط أيديهم إليك وإلى أصحابك . فإن لك ولهم في حسن ثوابي وعظم جزائي على الوفاء بالعهد الذي جازيت المقتول الوافي بعهده من ابني آدم ، وعاقبت به القاتل الناكث عهده ؛ عزاء جميلا . واختلف أهل العلم في سبب تقريب ابني آدم القربان ، وسبب قبول الله عز وجل ما تقبل منه ، ومن اللذان قربا ؟ فقال بعضهم : كان ذلك عن أمر الله جل وعز إياهما بتقريبه . وكان سبب القبول أن المتقبل منه قرب خير ماله وقرب الآخر شر ماله ، وكان المقربان ابني آدم لصلبه أحدهما : هابيل ، والآخر قابيل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني بن إبراهيم ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن هشام بن سعيد ، عن إسماعيل بن رافع ، قال : بلغني أن ابني آدم لما أمرا بالقربان ، كان أحدهما صاحب غنم ، وكان أنتج له حمل في غنمه ، فأحبه حتى كان يؤثره بالليل ، وكان يحمله على ظهره من حبه ، حتى لم يكن له مال أحب إليه منه . فلما أمر بالقربان ، قربه لله فقبله الله منه ، فما زال يرتع في الجنة حتى فدى به ابن إبراهيم صلى الله عليه وسلم . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا عوف ، عن أبي المغيرة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : إن ابني آدم اللذين قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، كان أحدهما صاحب حرث ، والآخر صاحب غنم ، وأنهما أمرا أن يقربا قربانا ؛ وإن صاحب الغنم قرب أكرم غنمه وأسمنها وأحسنها طيبة بها نفسه ، وإن صاحب الحرث قرب شر حرثه الكوزن والزوان غير طيبة بها نفسه ؛ وإن الله تقبل قربان صاحب الغنم ولم يتقبل قربان صاحب الحرث . وكان من قصتهما ما قص الله في كتابه ، وقال : أيم الله إن كان المقتول لأشد الرجلين ، ولكن منعه التحرج أن يبسط يده إلى أخيه وقال آخرون : لم يكن ذلك من أمرهما عن أمر الله إياهما به . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قال : كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين فيتصدق عليه ، وإنما كان القربان يقربه الرجل . فبينا ابنا آدم قاعدان ، إذ قالا : لو قربنا قربانا وكان الرجل إذا قرب قربانا فرضيه الله أرسل إليه نارا فأكلته ، وإن لم يكن رضيه الله خبت النار . فقربا قربانا ، وكان أحدهما راعيا ، وكان الآخر حراثا ، وإن صاحب الغنم قرب خير غنمه وأسمنها وقرب الآخر أبغض زرعه ، فجاءت النار ، فنزلت يينهما ، فأكلت الشاة وتركت الزرع . وإن ابن آدم قال لأخيه : أتمشي في الناس وقد علموا أنك قربت قربانا فتقبل منك ورد علي ؟ فلا والله ، لا تنظر الناس إلي وإليك وأنت خير مني فقال : لأقتلنك فقال له أخوه : ما ذنبي ، إنما يتقبل الله من المتقين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، قال : ثنا ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : إِذْ قَرَّبا قُرْباناً قال : ابنا آدم هابيل وقابيل لصلب آدم ، فقرب أحدهما شاة وقرب الآخر بقلا ، فقبل من صاحب الشاة ، فقتله صاحبه . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : تنا سفيان ، عن منصور ، عن مجاهد في قوله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً قال : هابيل وقابيل ، فقرب هابيل عناقا من أحسن غنمه ، وقرب قابيل زرعا من زرعه . قال : فأكلت النار العناق ، ولم تأكل الزرع ، ف قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا