محمد بن جرير الطبري

110

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يؤت أحدا من العالمين ، خطاب لبني إسرائيل ، حيث جاء في سياق قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ومعطوفا عليه . ولا دلالة في الكلام تدل على أن قوله : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ مصروف عن خطاب الذين ابتدئ بخطابهم في أول الآية . فإذا كان ذلك كذلك ، فأن يكون خطابا لهم أولى من أن يقال : هو مصروف عنهم إلى غيرهم . فإن ظن ظان أن قوله : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ لا يجوز أن يكون خطابا لبني إسرائيل ، إذ كانت أمة محمد قد أوتيت من كرامة الله نبيها عليه الصلاة والسلام محمدا ، ما لم يؤت أحدا غيرهم ، وهم من العالمين ؛ فقد ظن غير الصواب ، وذلك أن قوله : وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ خطاب من موسى صلى الله عليه وسلم لقومه يومئذ ، وعنى بذلك عالمي زمانه لا عالمي كل زمان ، ولم يكن أوتي في ذلك الزمان من نعم الله وكرامته ما أوتي قومه صلى الله عليه وسلم أحد من العالمين ، فخرج الكلام منه صلى الله عليه وسلم على ذلك لا على جميع كل زمان . القول في تأويل قوله تعالى : يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ وهذا خبر من الله عز ذكره عن قول موسى صلى الله عليه وسلم لقومه من بني إسرائيل ، وأمره إياهم عن أمر الله إياه ، يأمرهم بدخول الأرض المقدسة . ثم اختلف أهل التأويل في الأرض التي عناها بالأرض المقدسة ، فقال بعضهم : عنى بذلك : الطور وما حوله . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الأرض المقدسة : الطور وما حوله . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثني الحارث بن محمد ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال : الطور وما حوله . وقال آخرون : هو الشام . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال : هي الشام . وقال آخرون : هي أرض أريحا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ قال : أريحا . حدثني يوسف بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : هي أريحا . حدثني عبد الكريم بن الهيثم ، قال : ثنا إبراهيم بن بشار ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي سعيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : هي أريحا . وقيل : إن الأرض المقدسة : دمشق وفلسطين وبعض الأردن . وعنى بقوله الْمُقَدَّسَةَ المطهرة المباركة . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال : المباركة . حدثني المثني ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، بمثله . وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ، أن يقال : هي الأرض المقدسة ، كما قال نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم . لأن القول في ذلك بأنها أرض دون أرض ، لا تدرك حقيقة صحته إلا بالخبر ، ولا خبر بذلك يجوز قطع الشهادة به ، غير أنها لن تخرج من أن تكون من الأرض التي بين الفرات وعريش مصر لإجماع جميع أهل التأويل والسير والعلماء بالأخبار على ذلك . ويعني بقوله : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ التي أثبت في اللوح المحفوظ أنها لكم مساكن ، ومنازل دون الجبابرة التي فيها . فإن قال قائل : فكيف قال : الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ ، وقد علمت أنهم لم يدخلوها بقوله : فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ فكيف يكون مثبتا في اللوح المحفوظ أنها مساكن لهم ، ومحرما عليهم سكناها ؟ قيل : إنها كتبت لبني إسرائيل دارا ومساكن ، وقد سكنوها ونزلوها ، وصارت لهم كما قال الله جل وعز . وإنما قال لهم موسى : ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ يعني بها : كتبها الله لبني إسرائيل وكان الذين أمرهم موسى بدخولها من بني إسرائيل ولم يعن صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى ذكره كتبها للذين أمرهم بدخولها بأعيانهم ، ولو قال قائل : قد كانت مكتوبة لبعضهم ، ولخاص منهم ، فأخرج الكلام على العموم والمراد منه الخاص ،