محمد بن جرير الطبري
108
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
عليه وسلم وعمل بغير ما أتاه من عند الله من أمره ونهيه بما لا قبل له به من أليم عقابه في معاده وشديد عذابه في قيامته . القول في تأويل قوله تعالى : فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يقول جل ثناؤه لهؤلاء اليهود الذين وصفنا صفتهم : قد أعذرنا إليكم ، واحتججنا عليكم برسولنا محمد صلى الله عليه وسلم إليكم ، وأرسلناه إليكم ، ليبين لكم ما أشكل عليكم من أمر دينكم ، كيلا تقولوا لم يأتنا من عندك رسول يبين لنا ما نحن عليه من الضلالة ، فقد جاءكم من عندي رسول ، يبشر من آمن بي وعمل بما أمرته ، وانتهى عما نهيته عنه ، وينذر من عصاني وخالف أمري ، وأنا القادر على كل شيء ، أقدر على عقاب من عصاني وثواب من أطاعني ، فاتقوا عقابي على معصيتكم إياي وتكذيبكم رسولي ، واطلبوا ثوابي على طاعتكم إياي ، وتصديقكم بشيري ونذيري ، فإني أنا الذي لا يعجزه شيء أراده ولا يفوته شيء طلبه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وهذا أيضا من الله تعريف لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم قديم بتمادي هؤلاء اليهود في الغي وبعدهم عن الحق وسوء اختيارهم لأنفسهم وشدة خلافهم لأنبيائهم وبطء إنابتهم إلى الرشاد ، مع كثرة نعم الله عندهم وتتابع أياديه وآلائه عليه ، مسليا بذلك نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم عما يحل به من علاجهم وينزل به من مقاساتهم في ذات الله . يقول الله له صلى الله عليه وسلم : لا تأس على ما أصابك منهم ، فإن الذهاب عن الله والبعد من الحق وما فيه لهم الحظ في الدنيا والآخرة من عاداتهم وعادات أسلافهم وأوائلهم ، وتعز بما لاقى منهم أخوك موسى صلى الله عليه وسلم ، واذكر إذ قال موسى لهم : يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يقول : اذكروا أيادي الله عندكم وآلاءه قبلكم . كما : حدثني المثني ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن الزبير ، عن ابن عيينة : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ قال : أيادي الله عندكم وأيامه . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يقول : عافية الله . وإنما اخترنا ما قلنا ، لأن الله لم يخصص من النعم شيئا ، بل عم ذلك بذكر النعم ، فذلك على العافية وغيرها ، إذ كانت العافية أحد معاني النعم . القول في تأويل قوله تعالى : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً يعني بذلك جل ثناؤه ، أن موسى ذكر قومه من بني إسرائيل بأيام الله عندهم وبآلائه قبلهم ، فحرضهم بذلك على اتباع أمر الله في قتال الجبارين ، فقال لهم : اذكروا نعمة الله عليكم أن فضلكم بأن جعل فيكم أنبياء يأتونكم بوحيه ويخبرونكم بآياته الغيب ، ولم يعط ذلك غيركم في زمانكم هذا . فقيل إن الأنبياء الذين ذكرهم موسى أنهم جعلوا فيهم هم الذين اختارهم موسى ، إذ صار إلى الجبل وهم السبعون الذين ذكرهم الله ، فقال : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا الأعراف : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً سخر لكم من غيركم خدما يخدمونكم . وقيل : إنما قال ذلك لهم موسى ، لأنه لم يكن في ذلك الزمان أحد سواهم يخدمه أحد من بني آدم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً قال : كنا نحدث أنهم أول من سخر لهم الخدم من بني آدم وملكوا . وقال آخرون : كل من ملك بيتا وخادما وامرأة ، فهو ملك كائنا من كان من الناس . ذكر من قال ذلك : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرنا أبو هانئ ، أنه سمع أبا عبد الرحمن الحبلي يقول : سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل ، فقال : ألسنا من فقراء المهاجرين ؟ فقال له عبد الله : ألك امرأة تأوي إليها ؟ قال : نعم . قال : ألك مسكن تسكنه ؟ قال : نعم . قال : فأنت من الأغنياء . فقال : إن لي خادما . قال : فأنت من الملوك . حدثنا الزبير بن بكار ، قال : ثنا أبو ضمرة أنس بن عياض ، قال : سمعت زيد بن أسلم ، يقول : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً فلا أعلم إلا أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه