محمد بن جرير الطبري
9
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وإن صدقوا به من وجه ، فهم به مكذبون من وجه آخر . وذلك من وجه تكذيبهم من كذبوا به من الأنبياء وما جاءوا به من كتب الله ورسل الله يصدق بعضهم بعضا ، وبذلك أمر كل نبي أمته ، وكذلك كتب الله يصدق بعضها بعضا ويحقق بعض بعضا ، فالمكذب ببعضها مكذب بجميعها من جهة جحوده ما صدقه الكتاب الذي يقر بصحته ، فلذلك صار إيمانهم بما آمنوا من ذلك قليلا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ يقول : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم ؛ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ أي لا نفقه ، بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ولعنهم حين فعلوا ذلك . واختلف في معنى قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ الآية ، هل هو مواصل لما قبله من الكلام ، أو هو منفصل منه ؟ فقال بعضهم : هو منفصل مما قبله ، ومعناه : فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق . وقولهم قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ولعنهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا لما ترك القوم أمر الله ، وقتلوا رسله ، وكفروا بآياته ، ونقضوا الميثاق الذي أخذ عليهم . طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ولعنهم . وقال آخرون : بل هو مواصل لما قبله ؛ قالوا : ومعنى الكلام : فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ، فبنقضهم ميثاقهم ، وكفرهم بآيات الله ، وبقتلهم الأنبياء بغير حق وبكذا وكذا أخذتهم الصاعقة . قالوا : فتبع الكلام بعضه بعضا ، ومعناه مردود إلى أوله . وتفسير ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة من أجله بما فسر به تعالى ذكره من نقضهم الميثاق ، وقتلهم الأنبياء ، وسائر ما بين من أمرهم الذي ظلموا فيه أنفسهم . والصواب من القول في ذلك أن قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وما بعده منفصل معناه من معنى ما قبله ؛ وأن معنى الكلام : فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ، وبكذا وبكذا ، لعناهم وغضبنا عليهم ، فترك ذكر " لعناهم " لدلالة قوله : بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ على معنى ذلك ، إذ كان من طبع على قلبه فقد لعن وسخط عليه . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الذين أخذتهم الصاعقة إنما كانوا على عهد موسى والذين قتلوا الأنبياء والذين رموا مريم بالبهتان العظيم ، وقالوا : قتلنا المسيح ، كانوا بعد موسى بدهر طويل ، ولم يدرك الذين رموا مريم بالبهتان العظيم زمان موسى ولا من صعق من قومه . وإذ كان ذلك كذلك ، فمعلوم أن الذين أخذتهم الصاعقة لم تأخذهم عقوبة لرميهم مريم بالبهتان العظيم ، ولا لقولهم : إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم . وإذ كان ذلك كذلك ، فبين أن القوم الذين قالوا هذه المقالة ، غير الذين عوقبوا بالصاعقة . وإذا كان ذلك كذلك ، كان بينا انفصال معنى قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ من معنى قوله : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ . القول في تأويل قوله تعالى : وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : وبكفر هؤلاء الذين وصف صفتهم وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني : بفريتهم عليها ، ورميهم إياها بالزنا ، وهو البهتان العظيم ؛ لأنهم رموها بذلك وهي مما رموها به بغير ثبت ولا برهان بريئة ، فبهتوها بالباطل من القول . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً يعني أنهم رموها بالزنا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي : قوله : وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً حين قذفوها بالزنا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يعلى بن عبيد ، عن جويبر في قوله : وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً قال : قالوا زنت . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : وبقولهم إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ . ثم