محمد بن جرير الطبري

51

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى قال : الجار ذو القربى : ذو قرابتك . وقال آخرون : بل هو جار ذي قرابتك . ذكر من قال ذلك : حدثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا جرير ، عن ليث ، عن ميمون بن مهران ، في قوله : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى قال : الرجل يتوسل إليك بجوار ذي قرابتك . قال أبو جعفر : وهذا القول قول بل هو جار ذي قرابتك مخالف المعروف من كلام العرب ، وذلك أن الموصوف بأنه ذو القرابة في قوله : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى الجار دون غيره ، فجعله قائل هذه المقالة جار ذي القرابة ، ولو كان معنى الكلام كما قال ميمون بن مهران لقيل : وجار ذي القربى ، ولم يقل : والجار ذي القربى ، فكان يكون حينئذ إذا أضيف الجار إلى ذي القرابة الوصية ببر جار ذي القرابة دون الجار ذي القربى . وأما والجار بالألف واللام فغير جائز أن يكوى " ذي القربى " إلا من صفة الجار . وإذا كان ذلك كذلك كانت الوصية من الله في قوله : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى ببر الجار ذي القربى دون جار ذي القرابة ، وكان بينا خطأ ما قال ميمون بن مهران في ذلك . وقال آخرون : معنى ذلك : والجار ذي القربى منكم بالإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال ؛ ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن نوف الشامي : وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى المسلم . وهذا والجار ذي القربى منكم بالإسلام أيضا مما لا معنى له ، وذلك أن تأويل كتاب الله تبارك وتعالى غير جائز صرفه إلا إلى الأغلب من كلام العرب ، الذين نزل بلسانهم القرآن المعروف فيهم دون الأنكر الذي لا تتعارفه ، إلا أن يقوم بخلاف ذلك حجة يجب التسليم لها . وإذا كان ذلك كذلك ، وكان معلوما أن المتعارف من كلام العرب إذا قيل فلان ذو قرابة ، إنما يعني به : إنه قريب الرحم منه دون القرب بالدين ، كان صرفه إلى القرابة بالرحم أولى من صرفه إلى القرب بالدين . القول في تأويل قوله تعالى : وَالْجارِ الْجُنُبِ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : والجار البعيد الذي لا قرابة بينك وبينه . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَالْجارِ الْجُنُبِ الذي ليس بينك وبينه قرابة . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس : وَالْجارِ الْجُنُبِ يعني : الجار من قوم جنب . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَالْجارِ الْجُنُبِ الذي ليس بينهما قرابة وهو جار ، فله حق الجوار . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَالْجارِ الْجُنُبِ الجار الغريب يكون من القوم . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة وابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَالْجارِ الْجُنُبِ جارك من قوم آخرين . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَالْجارِ الْجُنُبِ جارك لا قرابة بينك وبينه ، البعيد في النسب وهو جار . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عكرمة ومجاهد ، في قوله : وَالْجارِ الْجُنُبِ قال : المجانب . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَالْجارِ الْجُنُبِ الذي ليس بينك وبينه وجه ولا قرابة . حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : ثنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك : وَالْجارِ الْجُنُبِ قال : من قوم آخرين . وقال آخرون : هو الجار المشرك . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمارة الأسدي ، قال : ثنا عبيد الله بن موسى ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن نوف الشامي وَالْجارِ الْجُنُبِ قال : اليهودي والنصراني . وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : معنى الجنب في هذا الموضع : الغريب البعيد ، مسلما كان أو مشركا ، يهوديا كان أو نصرانيا ؛ لما بينا قبل أن الجار ذي القربى : هو الجار ذو القرابة والرحم ، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد ، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران ، قريبهم وبعيدهم . وبعد فإن الجنب في كلام العرب البعيد كما قال أعشى بني قيس :