محمد بن جرير الطبري

37

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عليه وسلم صحيحا ، وكانت الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ مع اختلاف المختلفين فيه ، ولوجوب حكمها ونفي النسخ عنه وجه صحيح إلا بحجة يجب التسليم لها لما قد بينا في غير موضع من كتبنا الدلالة على صحة القول بذلك ، فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ هو ما ذكرنا من التأويل ، وهو أن قوله : عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ من الحلف ، وقوله : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي على ما أمره به من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرناه عنه ، دون قول ، من قال : معنى قوله : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ من الميراث ، وإن ذلك كان حكما ، ثم نسخ بقوله : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ دون ما سوى القول الذي قلناه في تأويل ذلك . وإذا صح ما قلنا في ذلك وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخة . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً يعني بذلك جل ثناؤه : فآتوا الذين عقدت أيمانكم نصيبهم من النصرة والنصيحة والرأي ، فإن الله شاهد على ما تفعلون من ذلك وعلى غيره من أفعالكم ، مراع لكل ذلك حافظ ، حتى يجازي جميعكم على جميع ذلك جزاءه ، أما المحسن منكم المتبع أمري وطاعتي فبالحسنى ، وأما المسئ منكم المخالف أمري ونهيي نهيي فبالسوأى . ومعنى قوله : شَهِيداً ذو شهادة على ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ يعني بقوله جل ثناؤه : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والأخذ على أيديهن ، فيما يجب عليهن لله ولأنفسهم ما يجب على المرأة ؛ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن ، وإنفاقهم عليهن أموالهم ، وكفايتهم إياهن مؤنهن . وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهن عليهن ، ولذلك صاروا قواما عليهن ، نافذي الأمر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن . وبما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قالا : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ما يجب على المرأة يعني : أمراء عليها أن تطيعه فيما أمرها الله به من طاعته ، وطاعته أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله وفضله عليها بنفقته وسعيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ما يجب على المرأة يقول : الرجل قائم على المرأة يأمرها بطاعة الله ، فإن أبت ، فله أن يضربها ضربا غير مبرح ، وله عليها الفضل بنفقته وسعيه . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ ما يجب على المرأة قال : يأخذون على أيديهن ويؤدبونهن . حدثني المثنى ، قال : ثنا حبان بن موسى ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، قال : سمعت سفيان ، يقول : بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ما يجب على المرأة قال : بتفضيل الله الرجال على النساء . وذكر أن هذه الآية نزلت في رجل لطم امرأته ، فخوصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، فقضى لها بالقصاص . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قال : ثنا الحسن : أن رجلا لطم امرأته ، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأراد أن يقصها منه ، فأنزل الله : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ، فتلاها عليه وقال : " أردت أمرا وأراد الله غيره " . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا