محمد بن جرير الطبري
23
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يتفرقا بالقول . وممن قال هذه المقالة مالك بن أنس ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ومحمد . قال أبو جعفر : وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال : إن التجارة التي هي عن تراض بين المتبايعين : ما تفرق المتبايعان على المجلس الذي تواجبا فيه بينهما عقدة البيع بأبدانهما ، عن تراض منهما بالعقد الذي جرى بينهما ، وعن تخيير كل واحد منهما صاحبه خيار المتبايعين ؛ لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، قال : أخبرنا أيوب ، وحدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الوهاب ، قال : ثنا أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا خيار المتبايعين ، أو يكون بيع خيار " وربما قال : " أو يقول أحدهما للآخر اختر " . فإذ كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا ، فليس يخلو قول أحد المتبايعين لصاحبه اختر ، من أن يكون قبل عقد البيع ، أو معه ، أو بعده . فإن يكن قبله ، فذلك الخلف من الكلام الذي لا معنى له ، لأنه لم يملك قبل عقد البيع أحد المتبايعين على صاحبه ، ما لم يكن له مالكا ، فيكون لتخيره صاحبه فيما يملك عليه وجه مفهوم ، ولا فيهما من يجهل ، أنه بالخيار في تمليك صاحبه ما هو له غير مالك بعوض يعتاضه منه ، فيقال له : أنت بالخيار فيما تريد أن تحدثه من بيع أو شراء . أو يكون إن بطل هذا المعنى تخيير كل واحد منهما صاحبه مع عقد البيع ، ومعنى التخيير في تلك الحال ، نظير معنى التخيير قبلها ، لأنها حالة لم يزل فيها عن أحدهما ما كان مالكه قبل ذلك إلى صاحبه ، فيكون للتخيير وجه مفهوم . أو يكون ذلك بعد عقد البيع ، إذا فسد هذان المعنيان . وإذا كان ذلك كذلك صح أن المعنى الآخر من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أعني قوله : " ما لم يتفرقا " إنما هو التفرق بعد عقد البيع ، كما كان التخيير بعده ، وإذا صح ذلك ، فسد قول من زعم أن معنى ذلك : إنما هو التفرق بالقول الذي به يكون البيع . وإذا فسد ذلك صح ما قلنا من أن التخيير والافتراق إنما هما معنيان بهما يكون تمام البيع بعد عقده ، وصح تأويل من قال : معنى قوله : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ إلا أن يكون أكلكم الأموال التي يأكلها بعضكم لبعض عن ملك منكم عمن ملكتموها عليه بتجارة تبايعتموها بينكم ، وافترقتم عنها ، عن تراض منكم بعد عقد البيع بينكم بأبدانكم ، أو يخير بعضكم بعضا . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً يعني بقوله جل ثناؤه : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ القتل ولا يقتل بعضكم بعضا ، وأنتم أهل ملة واحدة ، ودعوة واحدة ودين واحد فجعل جل ثناؤه أهل الإسلام كلهم بعضهم من بعض ، وجعل القاتل منهم قتيلا في قتله إياه منهم بمنزلة قتله نفسه ، إذ كان القاتل والمقتول أهل يد واحدة على من خالف ملتهما . وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ القتل يقول : أهل ملتكم . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء بن أبي رباح : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ القتل قال : قتل بعضكم بعضا . وأما قوله جل ثناؤه : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً فإنه يعني أن الله تبارك وتعالى لم يزل رحيما بخلقه ، ومن رحمته بكم كف بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون ، بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها ، وحظر أكل مال بعضكم على بعض بالباطل ، إلا عن تجارة يملك بها عليه برضاه وطيب نفسه ، لولا ذلك هلكتم وأهلك بعضكم بعضا قتلا وسلبا وغصبا . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً اختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً القتل فقال بعضهم : معنى ذلك : ومن يقتل نفسه ، بمعنى : ومن يقتل أخاه المؤمن عدوانا وظلما فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء أرأيت قوله : وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً في كل ذلك ، أو في قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ القتل قال : بل في قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ وقال آخرون : بل معنى ذلك : ومن يفعل ما حرمته