محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بذلك تعالى ذكره : والله يريد أن يراجع بكم طاعته ، والإنابة إليه ، ليعفو لكم عما سلف من آثامكم ، ويتحاوز لكم عما كان منكم في جاهليتكم من استحلالكم ما هو حرام عليكم من نكاح حلائل آبائكم وأبنائكم ، وغير ذلك مما كنتم تستحلونه وتأتونه ، مما كان غير جائز لكم إتيانه من معاصي الله وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ يقول : يريد الذين يطلبون لذات الدنيا وشهوات أنفسهم فيها ، أن تميلوا عن أمر الله تبارك وتعالى ، فتجوروا عنه بإتيانكم ما حرم عليكم وركوبكم معاصيه مَيْلًا عَظِيماً جورا وعدولا عنه شديدا . واختلف أهل التأويل في الذين وصفهم الله بأنهم يتبعون الشهوات ، فقال بعضهم : هم الزناة . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ قال : الزنا . أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً قال : يريدون أن تزنوا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً أن تكونوا مثلهم تزنون كما يزنون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ قال : الزنا . أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً قال : يزني أهل الإسلام كما يزنون . قال : هي كهيئة وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن ورقاء عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ قال : الزنا . أَنْ تَمِيلُوا قال : أن تزنوا . وقال آخرون : بل هم اليهود والنصارى . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ قال : هم اليهود والنصارى ؛ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً وقال آخرون : بل هم اليهود خاصة ، وكانت إرادتهم من المسلمين اتباع شهواتهم في نكاح الأخوات من الأب ، وذلك أنهم يحلون نكاحهن ، فقال الله تبارك وتعالى للمؤمنين : ويريد الذين يحللون نكاح الأخوات من الأب ، أن تميلوا عن الحق ، فتستحلوهن كما استحلوا . وقال آخرون : معنى ذلك : كل متبع شهوة في دينه لغير الذي أبيح له . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : سمعت ابن زيد يقول في قوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ الآية ، قال : يريد أهل الباطل وأهل الشهوات في دينهم ، أَنْ تَمِيلُوا في دينكم مَيْلًا عَظِيماً تتبعون أمر دينهم ، وتتركون أمر الله وأمر دينكم . قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : معنى ذلك : ويريد الذين يتبعون شهوات أنفسهم من أهل الباطل ، وطلاب الزنا ، ونكاح الأخوات من الآباء ، وغير ذلك مما حرمه الله أن تميلوا ميلا عظيما عن الحق ، وعما أذن الله لكم فيه ، فتجوروا عن طاعته إلى معصيته ، وتكونوا أمثالهم في اتباع شهوات أنفسكم فيما حرم الله وترك طاعته ، ميلا عظيما . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الله عز وجل عم بقوله : وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ فوصفهم باتباع شهوات أنفسهم المذمومة ، وعمهم بوصفهم بذلك من غير وصفهم باتباع بعض الشهوات المذمومة . فإذ كان ذلك كذلك ، فأولى المعاني بالآية ما دل عليه ظاهرها دون باطنها الذي لا شاهد عليه من أصل أو قياس . وإذ كان ذلك كذلك كان داخلا في الذين يتبعون الشهوات اليهود والنصارى والزناة وكل متبع باطلا ، لأن كل متبع ما نهاه الله عنه فمتبع شهوة نفسه . فإذ كان ذلك بتأويل الآية أولى ، وجبت صحة ما اخترنا من القول في تأويل ذلك . القول في تأويل قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً يعني جل ثناؤه بقوله : يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ يريد الله أن ييسر عليكم بإذنه لكم في نكاح الفتيات المؤمنات إذا لم تستطيعوا طولا لحرة . وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً يقول : يسر ذلك عليكم إذا كنتم غير مستطيعي الطول للحرائر ، لأنكم خلقتم ضعفاء عجزة عن ترك جماع النساء قليلي الصبر عنه ، فأذن لكم في نكاح فتياتكم المؤمنات ، عند خوفكم العنت على أنفسكم ، ولم تجدوا طولا