محمد بن جرير الطبري

211

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بتأويل الآية قول من قال : عني بذلك أهل الكتاب الذين أقروا بحكم التوراة ، ثم كذبوا بخلافهم إياه ، ثم أقر من أقر منهم بعيسى والإنجيل ، ثم كذب به بخلافه إياه ، ثم كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم والفرقان ، فازداد بتكذيبه به كفرا على كفره . وإنما قلنا : ذلك أولى بالصواب في تأويل هذه الآية ، لأن الآية قبلها في قصص أهل الكتابين ، أعني قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ولا دلالة تدل على أن قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا منقطع معناه من معنى ما قبله ، فإلحاقه بما قبله أولى حتى تأتي دلالة دالة على انقطاعه منه . وأما قوله : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ فإنه يعني : لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم بعفوه عن العقوبة لهم عليه ، ولكنه يفضحهم على رؤوس الأشهاد . وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا يقول : ولم يكن ليسددهم لإصابة طريق الحق فيوفقهم لها ، ولكنه يخذلهم عنها عقوبة لهم على عظيم جرمهم وجراءتهم على ربهم . وقد ذهب قوم إلى أن استتابة المرتد يستتاب ثلاثا انتزاعا منهم بهذه الآية ، وخالفهم على ذلك آخرون . ذكر من قال يستتاب ثلاثا : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حفص ، عن أشعث ، عن الشعبي ، عن علي عليه السلام ، قال : إن كنت لمستتيب استتابة المرتد ثلاثا . ثم قرأ هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن جابر ، عن عامر ، عن علي رضي الله عنه : يستتاب استتابة المرتد ثلاثا ، ثم قرأ : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عبد الكريم ، عن رجل ، عن ابن عمر ، قال : يستتاب استتابة المرتد ثلاثا . وقال آخرون : يستتاب كلما ارتد استتابة المرتد . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن عمرو بن قيس ، عمن سمع إبراهيم قال : يستتاب استتابة المرتد كلما ارتد . قال أبو جعفر : وفي قيام الحجة بأن استتابة المرتد يستتاب المرة الأولى ، الدليل الواضح على أن حكم كل مرة ارتد فيها عن الإسلام حكم المرة الأولى في أن توبته مقبولة ، وأن إسلامه حقن له دمه ؛ لأن العلة التي حقنت دمه في المرة الأولى إسلامه ، فغير جائز أن توجد العلة التي من أجلها كان دمه محقونا في الحالة الأولى ثم يكون دمه مباحا مع وجودها ، إلا أن يفرق بين حكم المرة الأولى وسائر المرات غيرها ما يجب التسليم له من أصل محكم ، فيخرج حكم القياس حينئذ . القول في تأويل قوله تعالى : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني بذلك جل ثناؤه : بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ أخبر المنافقين ، وقد بينا معنى التبشير فيما مضى بما أغنى عن إعادته . بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً يعني : بأن لهم يوم القيامة من الله على نفاقهم ، عذابا أليما ، وهو الموجع ، وذلك عذاب جهنم . القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أما قوله جل ثناؤه : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فمن صفة المنافقين . يقول الله لنبيه : يا محمد ، بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء : يعني أنصارا وأخلاء من دون المؤمنين ، يعني : من غير المؤمنين . أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ يقول : أيطلبون عندهم المنعة والقوة باتخاذهم إياهم أولياء من دون أهل الإيمان بي . فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً يقول : فإن الذين اتخذوهم من الكافرين أولياء ابتغاء العزة عندهم ، هم الأذلاء الأقلاء ، فهلا اتخذوا الأولياء من المؤمنين ، فيلتمسوا العزة والمنعة والنصرة من عند الله ، الذي له العزة والمنعة ، الذي يعز من يشاء ، ويذل من يشاء فيعزهم ويمنعهم ؟ وأصل العزة : الشدة ؛ ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة : عزاز ، وقيل : قد استعز على المريض : إذا اشتد مرضه وكاد يشفي ، ويقال : تعزز اللحم : إذا اشتد ؛ ومنه قيل : عز علي أن يكون كذا وكذا ، بمعنى : اشتد علي . القول في تأويل قوله تعالى : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ