محمد بن جرير الطبري

206

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما يصيب من المغنم إذا شهد مع النبي مشهدا ، وأمنه على نفسه وذريته وماله ، وما أشبه ذلك . وأما ثوابه في الآخرة فنار جهنم . فمعنى الآية : من كان من العاملين في الدنيا من المنافقين يريد بعمله ثواب الدنيا وجزاءها من عمله ، فإن الله مجازيه جزاءه في الدنيا من الدنيا ، وجزاءه في الآخرة من العقاب والنكال وذلك أن الله قادر على ذلك كله ، وهو مالك جميعه ، كما قال في الآية الأخرى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ هود : . وإنما عنى بذلك جل ثناؤه الذين سعوا في أمر بني أبيرق ، والذين وصفهم في قوله : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ النساء : ومن كان من نظرائهم في أفعالهم ونفاقهم . وقوله : وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً يعني : وكان الله سميعا لما يقول هؤلاء المنافقون الذين يريدون ثواب الدنيا بأعمالهم ، وإظهارهم للمؤمنين ما يظهرون لهم إذا لقوا المؤمنين وقولهم لهم آمنا . بَصِيراً يعني : وكان ذا بصر بهم وبما هم عليه منطوون للمؤمنين فيما يكتمونه ولا يبدونه لهم من الغش والغل الذي في صدورهم . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وهذا تقدم من الله تعالى ذكره إلى عباده المؤمنين به وبرسوله أن يفعلوا فعل الذين سعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمر بنى أبيرق ، أن يقوم بالعذر لهم في أصحابه وذبهم عنهم وتحسينهم أمرهم بأنهم أهل فاقة وفقر ؛ يقول الله لهم : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ يقول : ليكن من أخلاقكم وصفاتكم القيام بالقسط ، يعني بالعدل . شُهَداءَ لِلَّهِ والشهداء : جمع شهيد ، ونصبت الشهداء على القطع مما في قوله : " قوامين " ، من ذكر الذين آمنوا ، ومعناه : قوموا بالقسط لله عند شهادتكم ، أو حين شهادتكم . وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ يقول : ولو كانت شهادتكم على أنفسكم ، أو على والديكم أو أقربيكم ، فقوموا فيها بالقسط والعدل في الشهادة ، وأقيموها على صحتها بأن تقولوا فيها الحق ، ولا تميلوا فيها لغني لغناه على فقير ، ولا لفقير لفقره على غني فتجوروا ، فإن الله الذي سوى بين حكم الغني والفقير فيما ألزمكم أيها الناس من إقامة الشهادة لكل واحد منهما بالعدل أولى بهما ، وأحق منكم ، لأنه مالكهما وأولى بهما دونكم ، فهو أعلم بما فيه مصلحة كل واحد منهما في ذلك وفي غيره من الأمور كلها منكم ، فلذلك أمركم بالتسوية بينهما في الشهادة لهما وعليها . فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا يقول : فلا تتبعوا أهواء أنفسكم في الميل في شهادتكم إذا قمتم بها لغني على فقير أو لفقير على غني إلا أحد الفريقين فتقولوا غير الحق ، ولكن قوموا فيه بالقسط وأدوا الشهادة على ما أمركم الله بأدائها بالعدل لمن شهدتم عليه وله . فإن قال قائل : وكيف يقوم بالشهادة على نفسه الشاهد بالقسط ، وهل يشهد الشاهد على نفسه ؟ قيل : نعم ، وذلك أن يكون عليه حق لغيره ، فيقر له به ، فذلك قيام منه له بالشهادة على نفسه . وهذه الآية عندي تأديب من الله جل ثناؤه عباده المؤمنين أن يفعلوا ما فعله الذين عذروا بني أبيرق في سرقتهم ما سرقوا وخيانتهم ما خانوا من ذكر ما قيل عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهادتهم لهم عنده بالصلاح ، فقال لهم : إذا قمتم بالشهادة لإنسان أو عليه ، فقوموا فيها بالعدل ولو كانت شهادتكم على أنفسكم وآبائكم وأمهاتكم وأقربائكم ، فلا يحملنكم غني من شهدتم له أو فقره أو قرابته ورحمه منكم على الشهادة له بالزور ولا على ترك الشهادة عليه بالحق وكتمانها . وقد قيل : إنها نزلت تأديبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن حسين ، قال : ثنا أحمد بن