محمد بن جرير الطبري

194

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن أشياء من أمر النساء ، وتركوا المسألة عن أشياء أخر كانوا يفعلونها ، فأفتاهم الله فيما سألوا عنه وفيما تركوا المسألة عنه . ذكر من قال دلك : حدثنا محمد بن المثنى وسفيان بن وكيع ، قال سفيان : ثنا عبد الأعلى ، وقال ابن المثنى : ثني عبد الأعلى قال : ثنا داود ، عن محمد بن أبي موسى في هذه الآية : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قال : استفتوا نبي الله في النساء ، وسكتوا عن شيء كانوا يفعلونه ، فأنزله الله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ويفتيكم فيما لم تسألوا عنه . قال : كانوا لا يتزوجون اليتيمة إذا كان بها دمامة ، ولا يدفعون إليها مالها فتنفق ، فنزلت : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قال : والمستضعفين من الولدان . قال : كانوا يورثون الأكابر ولا يورثون الأصاغر ، ثم أفتاهم فيما سكتوا عنه ، فقال : وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ، ولفظ الحديث لابن المثنى . قال أبو جعفر : فعلى هذا القول الذي يتلى علينا في الكتاب الذي قال الله جل ثناؤه : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً الآية ، والذي سأل القوم فأجيبوا عنه في يتامى النساء اللاتي كانوا لا يؤتونهن ما كتب الله لهن من الميراث عمن ورثته عنه . وأولى هذه الأقوال التي ذكرنا عمن ذكرناها عنه بالصواب وأشبهها بظاهر التنزيل قول من قال : معنى قوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ وما يتلى عليكم من آيات الفرائض في أول هذه السورة وآخرها . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ، لأن الصداق ليس مما كتب للنساء إلا بالنكاح ، فما لم تنكح فلا صداق لها قبل أحد ، وإذا لم يكن ذلك لها قبل أحد لم يكن مما كتب لها ، وإذا لم يكن كتب لها ، لم يكن لقول قائل عنى بقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ الإقساط في صدقات يتامى النساء وجه ، لأن الله قال في سياق الآية مبينا عن الفتيا التي وعدنا أن يفتيناها في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ، فأخبر أن بعض الذي يفتينا فيه من أمر النساء أمر اليتيمة المحول بينها وبين ما كتب الله لها ، والصداق قبل عقد النكاح ليس مما كتب الله لها على أحد ، فكان معلوما بذلك أن التي عنيت بهذه الآية هي التي قد حيل بينها وبين الذي كتب لها مما يتلى علينا في كتاب الله . فإذا كان ذلك كذلك ، كان معلوما أن ذلك هو الميراث الذي يوجبه الله لهن في كتابه . فأما الذي ذكر عن محمد بن أبي موسى ، فإنه مع خروجه من قول أهل التأويل ، بعيد مما يدل عليه ظاهر التنزيل ، وذلك أنه زعم أن الذي عنى الله بقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ هو وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً ، وإذا وجه الكلام إلى المعنى الذي تأوله صار الكلام مبتدأ من قوله : فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ ترجمة بذلك عن قوله فِيهِنَّ ويصير معنى الكلام : قل الله يفتيكم فيهن في يتامى النساء اللاتي ولا تؤتونهن ، ولا دلالة في الآية على ما قاله ، ولا أثر عمن يعلم بقوله صحة ذلك . وإذا كان ذلك كذلك ، كان وصل معاني الكلام بعضه ببعض أولى ما وجد إليه سبيل . فإذا كان الأمر على ما وصفنا ، فقوله : فِي يَتامَى النِّساءِ بأن يكون صلة لقوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ أولى من أن يكون ترجمة عن قوله : قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ لقربه من قوله : وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ، وانقطاعه عن قوله : يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ . وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية : ويستفتونك في النساء ، قل الله يفتيكم فيهن ، وفيما يتلى عليكم في كتاب الله الذي أنزله على نبيه في أمر يتامى النساء اللاتي لا تعطونهن ما كتب لهن ، يعني : ما فرض الله لهن من الميراث عمن ورثنه . كما : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ في النساء قال : لا تورثونهن . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، قوله : لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ في النساء قال :