محمد بن جرير الطبري
187
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض ، وذلك في قوله : وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ فإلحاق معنى قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ بما قد جرى ذكره قبل أحق وأولى من ادعاء تأويل فيه ، لا دلالة عليه من ظاهر التنزيل ، ولا أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا إجماع من أهل التأويل . وإذ كان ذلك كذلك ، فتأويل الآية إذن : ليس الأمر بأمانيكم يا معشر أولياء الشيطان وحزبه التي يمنيكموها وليكم عدو الله من إنقاذكم ممن أرادكم بسوء ، ونصرتكم عليه ، وإظفاركم به ، ولا أماني أهل الكتاب الذين قالوا اغترارا بالله وبحلمه عنهم : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ، ولن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، فإن الله مجازي كل عامل منكم جزاء عمله ، من يعمل منكم سوء ، أو من غيركم يجز به ، ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة . ومما يدل أيضا على صحة ما قلنا في تأويل ذلك ، وأنه عنى بقوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ مشركو العرب كما قال مجاهد : إن الله وصف وعد الشيطان ما وعد أولياءه ، وأخبر بحال وعده ، ثم أتبع ذلك بصفة وعده الصادق بقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وقد ذكر جل ثناؤه مع وصفه وعد الشيطان أولياءه ، وتمنيته إياهم الأماني بقوله : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ كما ذكر وعده إياهم ، فالذي هو أشبه أن يتبع تمنيته إياهم من الصفة ، بمثل الذي أتبع عدته إياهم به من الصفة . وإذ كان ذلك كذلك صحح أن قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ الآية ، إنما هو خبر من الله عن أماني أولياء الشيطان وما إليه صائرة أمانيهم مع سيئ أعمالهم من سوء الجزاء ، وما إليه صائرة أعمال أولياء الله من حسن الجزاء . وإنما ضم جل ثناؤه أهل الكتاب إلى المشركين في قوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ لأن أماني الفريقين من تمنية الشيطان إياهم التي وعدهم أن يمنيهموها بقوله : وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ . القول في تأويل قوله تعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ . اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : عنى بالسوء كل معصية لله ، وقالوا : معنى الآية : من يرتكب صغيرة أو كبيرة من مؤمن أو كافر من معاصي الله ، يجازه الله بها . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أن زياد بن الربيع سأل أبي بن كعب عن هذه الآية : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ فقال : ما كنت أراك إلا أفقه مما أرى النكبة والعود والخدش . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا غندر ، عن هشام الدستوائي ، قال : ثنا قتادة ، عن الربيع بن زياد ، قال : قلت لأبي بن كعب ، قول الله تبارك وتعالى : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ والله إن كان كل ما عملنا جزينا به هلكنا قال : والله إن كنت لأراك أفقه مما أرى لا يصيب رجلا خدش ولا عثرة إلا بذنب ، وما يعفو الله عنه أكثر ، حتى اللدغة والنفحة . حدثنا القاسم بن بشر بن معرور ، قال : ثنا سليمان بن حرب ، قال : ثنا حماد بن زيد ، عن حجاج الصواف ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أبي المهلب ، قال : دخلت على عائشة كي أسألها عن هذه الآية : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قالت : ذاك ما يصيبكم في الدنيا حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني خالد أنه سمع مجاهد ا يقول في قوله : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قال : يجز به في الدنيا ، قال : قلت : وما تبلغ المصيبات ؟ قال : ما تكره . وقال آخرون : معنى ذلك : من يعمل سوءا من أهل الكفر يجز به . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة ، عن حميد ، عن الحسن : مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ قال : الكافر . ثم قرأ : وهل يجازي إلا الكفور سبأ : قال : من الكفار . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا سهل ، عن حميد ، عن الحسن ، مثله . حدثني