محمد بن جرير الطبري

15

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فذكر نحوه . فقد بين أن الحد الذي وجب إقامته بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإماء هو ما كان قبل إحصانهن ؛ فأما ما وجب من ذلك عليهن بالكتاب ، فبعد إحصانهن ؟ قيل له : قد بينا أن أحد معاني الإحصان : الإسلام ، وأن الآخر منه التزويج وان الإحصان كلمة تشتمل على معان شتى ، وليس في رواية من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الأمة تزني قبل أن تحصن ، بيان أن التي سئل عنها النبي صلى الله عليه وسلم هي التي تزني قبل التزويج ، فيكون ذلك حجة لمحتج في أن الإحصان الذي سن صلى الله عليه وسلم حد الإماء في الزنا هو الإسلام دون التزويج ، ولا أنه هو التزويج دون الإسلام . وإذ كان لا بيان في ذلك ، فالصواب من القول ، أن كل مملوكة زنت فواجب على مولاها إقامة الحد عليها ، متزوجة كانت أو غير متزوجة ، لظاهر كتاب الله والثابت من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا من أخرجه من وجوب الحد عليه منهن بما يجب التسليم له . وإذ كان ذلك كذلك تبين به صحة ما اخترنا من القراءة في قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ فإن ظن ظان أن في قول الله تعالى ذكره : وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ دلالة على أن قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ معناه : تزوجن ، إذ كان ذكر ذلك بعد وصفهن بالإيمان بقوله : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وحسب أن ذلك لا يحتمل معنى غير معنى التزويج ، مع ما تقدم ذلك من وصفهن بالإيمان ، فقد ظن خطأ ؛ وذلك أنه غير مستحيل في الكلام أن يكون معنى ذلك : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ، فإذا هن آمن فإن أتين بفاحشة ، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ، فيكون الخبر بيانا عما يجب عليهن من الحد إذا أتين بفاحشة بعد إيمانهن بعد البيان عما لا يجوز لناكحهن من المؤمنين من نكاحهن ، وعمن يجوز نكاحه له منهن . فإذ كان ذلك غير مستحيل في الكلام فغير جائز لأحد صرف معناه إلى أنه التزويج دون الإسلام ، من أجل ما تقدم من وصف الله إياهن بالإيمان غير أن الذي نختار لمن قرأ : " محصنات غير مسافحات " بفتح الصاد في هذا الموضع أن يقرأ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ بضم الألف ، ولمن قرأ " محصنات " بكسر الصاد فيه ، أن يقرأ : " فإذا أحصن " بفتح الألف ، لتأتلف قراءة القارئ على معنى واحد وسياق واحد ، لقرب قوله : " محصنات " من قوله : فَإِذا أُحْصِنَّ ولو خالف من ذلك لم يكن لحنا ، غير أن وجه القراءة ما وصفت . وقد اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك نظير اختلاف القراء في قراءته ، فقال بعضهم : معنى قوله فَإِذا أُحْصِنَّ حد الأمة والعبد فإذا أسلمن . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع ، قال : ثنا بشر بن المفضل ، عن سعيد ، عن أبي معشر ، عن إبراهيم ، أن ابن مسعود ، قال : إسلامها إحصانها حد الأمة والعبد . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني جرير بن حازم أن سليمان بن مهران حدثه عن إبراهيم بن يزيد ، عن همام بن الحرث : أن النعمان بن عبد الله بن مقرن سأل عبد الله بن مسعود ، فقال : أمتي زنت ؟ فقال : اجلدها خمسين جلدة حد الأمة والعبد قال : إنها لم تحصن فقال ابن مسعود : إحصانها إسلامها . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن حماد ، عن إبراهيم : أن النعمان بن مقرن سأل ، ابن مسعود عن : أمة زنت وليس لها زوج حد الأمة والعبد ، فقال : إسلامها إحصانها . حدثني ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن حماد ، عن إبراهيم أن النعمان قال : قلت لابن مسعود : أمتي زنت ؟ قال : اجلدها ، قلت : فإنها لم تحصن حد الأمة والعبد قال : إحصانها إسلامها . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، قال : كان عبد الله يقول : إحصانها : إسلامها حد الأمة والعبد . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم ، عن الشعبي أنه تلا هذه الآية : فَإِذا أُحْصِنَّ حد الأمة والعبد قال : يقول : إذا أسلمن . حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا يحيى بن أبي زائدة ، عن أشعث ، عن