محمد بن جرير الطبري
184
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ببدر وقد زين لهم أعمالهم : لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ الأنفال : وحصحص الحق ، وعاين حد الأمر ، ونزول عذاب الله بحزبه نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ الأنفال : ، فصارت عداته عدو الله إياهم عند حاجتهم إليه غرورا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ النور : . القول في تأويل قوله تعالى : أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً يعني جل ثناؤه بقوله : أُولئِكَ هؤلاء الذين اتخذوا الشيطان وليا من دون الله ، مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ يعنى : مصيرهم الذي يصيرون إليه جهنم ، وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً يقول : لا يجدون عن جهنم إذا صيرهم الله إليها يوم القيامة ، معدلا يعدلون إليه ، يقال منه : حاص فلان عن هذا الأمر يحيص حيصا وحيوصا : إذا عدل عنه ، ومنه خبر ابن عمر أنه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيهم ، فلقينا المشركين فحصنا حيصة ؛ وقال بعضهم : فجاضوا جيضة ، والحيص والجيض متقاربا المعنى . القول في تأويل قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ . . . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا يعني جل ثناؤه بقوله : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ والذين صدقوا الله ورسوله ، وأقروا له بالوحدانية ولرسوله صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يقول : وأدوا فرائض الله التي فرضها عليهم . سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يقول : سوف ندخلهم يوم القيامة إذا صاروا إلى الله جزاء بما عملوا في الدنيا من الصالحات جنات : يعني بساتين تجري من تحتها الأنهار . خالِدِينَ فِيها أَبَداً يقول : باقين في هذه الجنات التي وصفها أبدا دائما . وقوله وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا يعني : عدة من الله لهم ذلك في الدنيا حقا ، يقينا صادقا ، لا كعدة الشيطان الكاذبة التي هي غرور من وعدها من أوليائه ، ولكن عدة ممن لا يكذب ولا يكون منه الكذب ولا يخلف وعده . وإنما وصف جل ثناؤه وعده بالصدق والحق في هذه لما سبق من خبره جل ثناؤه ، عن قول الشيطان الذي قصه في قوله ، وقال : لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ ثم قال جل ثناؤه : يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ولكن الله يعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنه سيدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، وعدا منه حقا ، لا كوعد الشيطان الذي وصف صفته . فوصف جل ثناؤه الوعدين والواعدين وأخبر بحكم أهل كل وعد منهما تنبيها منه جل ثناؤه خلقه على ما فيه مصلحتهم وخلاصهم من الهلكة والعطب ، لينزجروا عن معصيته ويعملوا بطاعته ، فيفوزوا بما أعد لهم في جنانه من ثوابه . ثم قال لهم جل ثناؤه : وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا يقول : ومن أصدق أيها الناس من الله قيلا : أي لا أحد أصدق منه قيلا ، فكيف تتركون العمل بما وعدكم على العمل به ربكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ، وتكفرون به ، وتخالفون أمره ، وأنتم تعلمون أن لا أحد أصدق منه قيلا ، وتعملون بما يأمركم به الشيطان ، رجاء لإدراك ما يعدكم من عداته الكاذبة وأمانيه الباطلة ، وقد علمتم أن عداته غرور لا صحة لها ولا حقيقة ، وتتخذونه وليا من دون الله وتتركون أن تطيعوا الله فيما يأمركم به وينهاكم عنه ، فتكونوا له أولياء ؟ ومعنى القيل والقول ، واحد . القول في تأويل قوله تعالى : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ اختلف أهل التأويل في الذين عنوا بقوله : لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ فقال بعضهم : عني بقوله لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ أهل الإسلام . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : تفاخر النصارى وأهل الإسلام ، فقال هؤلاء : نحن أفضل منكم ، وقال هؤلاء : نحن أفضل منكم ؛ قال : فأنزل الله : لَيْسَ