محمد بن جرير الطبري

179

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً فإنه يعني : ومن يجعل لله في عبادته شريكا ، فقد ذهب عن طريق الحق ، وزال عن قصد السبيل ذهابا بعيدا وزوالا شديدا . وذلك أنه بإشراكه بالله في عبادته ، فقد أطاع الشيطان وسلك طريقه وترك طاعة الله ومنهاج دينه ، فذاك هو الضلال البعيد والخسران المبين . القول في تأويل قوله تعالى : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : إن يدعون من دونه إلا اللات والعزى ومناة ، فسماهن الله إناثا بتسمية المشركين إياهن بتسمية الإناث . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا حصين ، عن أبي مالك في قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً قال : اللات والعزى ومناة ، كلها مؤنث . حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : ثنا هشيم ، عن حصين ، عن أبي مالك بنحوه ، إلا أنه قال : كلهن مؤنث . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط عن السدي : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يقول : يسمونهم إناثا : لات ، ومناة ، وعزى . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً قال : آلهتهم : اللات ، والعزى ، ويساف ، ونائلة ، هم إناث يدعونهم من دون الله . وقرأ : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً . وقال آخرون : معنى ذلك : إن يدعون من دونه إلا مواتا لا روح فيه . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن ، علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً يقول : ميتا . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً أي إلا ميتا لا روح فيه . حدثني المثنى ، قال : ثنا الحجاج ، قال : ثنا مبارك بن فضالة ، عن الحسن : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً قال : والإناث : كل شيء ميت ليس فيه روح خشبة يابسة ، أو حجر يابس ، قال الله تعالى : وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً إلى قوله : فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ . وقال آخرون : عنى بذلك أن المشركين كانوا يقولون : إن الملائكة بنات الله . ذكر من قال ذلك : حدثني يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك في قوله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً قال : الملائكة يزعمون أنهم بنات الله . وقال آخرون : معنى ذلك : إن أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم إناثا ، فأنزل الله ذلك كذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا سفيان بن وكيع ، قال : ثنا يزيد بن هارون ، عن نوح بن قيس ، عن أبي رجاء ، عن الحسن قال : كان لكل حي من أحياء العرب صنم يسمونها أنثى بني فلان ، فأنزل الله : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً . حدثني المثنى ، قال : ثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : ثنا نوح بن قيس ، قال : ثنا محمد بن سيف أبو رجاء الحداني ، قال : سمعت الحسن يقول : كان لكل حي من العرب ، فذكر نحوه . وقال آخرون : الإناث في هذا الموضع : الأوثان . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : إِناثاً قال : أوثانا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله . حدثنا سفيان ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عروة ، قال : كان في مصحف عائشة : " إن يدعون من دونه إلا إناثا أوثانا " . قال أبو جعفر : روي عن ابن عباس أنه كان يقرؤها : " أن يدعون من دونه إلا اثنا " ، بمعنى جمع وثن ، فكأنه جمع وثنا وثنا ، ثم قلب الواو همزة مضمومة ، كما قيل : ما أحسن هذه الأجوه ، بمعنى الوجوه ، وكما قيل : وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ المرسلات : بمعنى : وقتت . وذكر عن بعضهم أنه كان يقرأ ذلك : " إن يدعون من دونه إلا أنثا " ، كأنه أراد جمع الإناث ، فجمعها أنثا ، كما تجمع الثمار ثمرا . والقراءة التي لا أستجيز القراءة بغيرها قراءة من قرأ : إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً بمعنى جمع أنثى ، لأنها كذلك