محمد بن جرير الطبري
176
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ذنبا على عمد منه له ومعرفة به ، فإنما يجترح وبال ذلك الذنب وضره وخزيه وعاره على نفسه دون غيره من سائر خلق الله ، يقول : فلا تجادلوا أيها الذين تجادلون عن هؤلاء الخونة ، فإنكم وإن كنتم لهم عشيرة وقرابة وجيرانا برآء مما أتوه من الذنب ومن التبعة التي يتبعون بها ، فإنكم متى دافعتم عنهم أو خاصمتم بسببهم كنتم مثلهم ، فلا تدافعوا عنهم ، ولا تخاصموا . وأما قوله : وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً فإنه يعني : وكان الله عالما بما تفعلون أيها المجادلون عن الذين يختانون أنفسهم في جدالكم عنهم وغير ذلك من أفعالكم وأفعال غيركم ، وهو يحصيها عليكم وعليهم ، حتى يجازي جميعكم بها . حَكِيماً يقول : وهو حكيم بسياستكم وتدبيركم ، وتدبير جميع خلقه . وقيل : نزلت هذه الآية في بني أبيرق ، وقد ذكرنا من قال ذلك فيما مضى قبل . القول في تأويل قوله تعالى : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً يعني بذلك جل ثناؤه : ومن يعمل خطيئة ، وهي الذنب ، أو إثما ، وهو ما لا يحل من المعصية . وإنما فرق بين الخطيئة والإثم ، لأن الخطيئة قد تكون من قبل العمد وغير العمد ، والإثم لا يكون إلا من العمد ، ففصل جل ثناؤه لذلك بينهما ، فقال : ومن يأت خطيئة على غير عمد منه لها ، أو إثما على عمد منه ثم يرم به بريئا ، يعني بالذي تعمده بريئا ، يعني ثم يصف ما أتى من خطئه أو إثمه الذي تعمده بريئا مما أضافه إليه ونحله إياه ؛ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً يقول : فقد تحمل بفعله ذلك فرية وكذبا وإثما عظيما ، يعني وجرما عظيما على علم منه وعمد لما أتى من معصيته وذنبه . واختلف أهل التأويل فيمن عنى الله بقوله : بَرِيئاً بعد إجماع جميعهم على أن الذي رمى البريء من الإثم الذي كان أتاه ابن أبيرق الذي وصفنا شأنه قبل . فقال بعضهم : عنى الله عز وجل بالبريء رجلا من المسلمين يقال له لبيد بن سهل . وقال آخرون : بل عنى رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين ، وقد ذكرنا رواية عمن قال ذلك فيما مضى . وممن قال كان يهوديا ، ابن سيرين . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا غندر ، عن شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن ابن سيرين : ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً قال : يهوديا . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا بدل بن المحبر ، قال : ثنا شعبة ، عن خالد ، عن ابن سيرين ، مثله . وقيل : يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً بمعنى : ثم يرم بالإثم الذي أتى هذا الخائن من هو بريء مما رماه به ، فالهاء في قوله " به " عائدة على الإثم ، ولو جعلت كناية من ذكر الإثم والخطيئة كان جائزا ، لأن الأفعال وإن اختلفت العبارات عنها فراجعة إلى معنى واحد بأنها فعل . وأما قوله : فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً فإن معناه : فقد تحمل هذا الذي رمى بما أتى من المعصية وركب من الإثم والخطيئة من هو بريء مما رماه به من ذلك بهتانا ، وهو الفرية والكذب ، وإثما مبينا ، يعني وزرا مبينا ، يعني أنه يبين عن أمر عمله وجراءته على ربه وتقدمه على خلافه فيما نهاه عنه لمن يعرف أمره . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ . . . عَلَيْكَ عَظِيماً يعني بقوله جل ثناؤه : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ولولا أن الله تفضل عليك يا محمد فعصمك بتوفيقه وتبيانه لك أمر هذا الخائن ، فكففت لذلك عن الجدال عنه ، ومدافعة أهل الحق عن حقهم قبله ؛ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يقول : لهمت فرقة منهم ، يعني من هؤلاء الذين يختانون أنفسهم ، أَنْ يُضِلُّوكَ يقول : يزلوك عن طريق الحق ، وذلك لتلبيسهم أمر الخائن عليه صلى الله عليه وسلم وشهادتهم للخائن عنده بأنه بريء مما ادعى عليه ، ومسألتهم . إياه أن يعذره ويقوم بمعذرته في أصحابه ، فقال الله تبارك وتعالى : وما يضل هؤلاء الذين هموا بأن يضلوك عن الواجب من الحكم في أمر هذا الخائن درع جاره ، إلا أنفسهم . فإن قال قائل : ما كان وجه إضلالهم أنفسهم ؟ قيل : وجه