محمد بن جرير الطبري
173
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
النبوة . ثم ذكر مناجاتهم فيما يريدون أن يكذبوا عن طعمة ، فقال : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ . فلما فضح الله طعمة بالمدينة بالقرآن ، هرب حتى أتى مكة ، فكفر بعد إسلامه . ونزل على الحجاج بن علاط السلمي ، فنقب بيت الحجاج فأراد أن يسرقه ، فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده ، فنظر فإذا هو بطعمة ، فقال : ضيفي وابن عمي وأردت أن تسرقني ؟ فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافرا ، وأنزل الله فيه : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى . . . إلى : وَساءَتْ مَصِيراً . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، قال : استودع رجل من الأنصار طعمة بن أبيرق مشربه له فيها درع ، وخرج فغاب . فلما قدم الأنصاري فتح مشربته فلم يجد الدرع ، فسأل عنها طعمة بن أبيرق ، فرمى بها رجلا من اليهود يقال له زيد بن السمين . فتعلق صاحب الدرع بطعمة في درعه ؛ فلما رأى ذلك قومه أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلموه ليدرأ عنه فهم بذلك ، فأنزل الله تبارك وتعالى : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ يعني طعمة بن أبيرق وقومه ، ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا محمد صلى الله عليه وسلم وقوم طعمة . وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً محمد وطعمة وقومه ، قال : وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ الآية ، طعمة . وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً يعني : زيد بن السمين ، فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً طعمة بن أبيرق . وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ يا محمد ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ قوم طعمة بن أبيرق . وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً محمد صلى الله عليه وسلم . لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ حتى تنقضي الآية للناس عامة . وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ الآية . قال : لما نزل القرآن في طعمة بن أبيرق لحق بقريش ورجع في دينه ، ثم عدا على مشربة للحجاج بن علاط البهزي ثم السلمي حليف لبنى عبد الدار ، فنقبها ، فسقط عليه حجر فلحج . فلما أصبح أخرجوه من مكة ، فخرج فلقي ، ركبا من بهراء من قضاعة ، فعرض لهم ، فقال : ابن سبيل منقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ، ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه ، فقذفوه بالحجارة حتى مات . قال ابن جريج : فهذه الآيات كلها فيه نزلت إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ أنزلت في طعمة بن أبيرق ، يقولون : إنه رمى بالدرع في دار أبي مليل بن عبد الله الخزرجي ، فلما نزل القرآن لحق بقريش ، فكان من أمره ما كان . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، ثنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ يقول : بما أنزل عليك وأراكه في كتابه . ونزلت هذه الآية في رجل من الأنصار استودع درعا فجحد صاحبها ، فخونه رجال من أصحاب نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فغضب له قومه ، وأتوا نبي الله صلى الله عليه وسلم ، وقالوا : خونوا صاحبنا وهو أمين مسلم ، فاعذره يا نبي الله وازجر عنه فقام نبي الله فعذره وكذب عنه وهو يرى أنه بريء وأنه مكذوب عليه ، فأنزل الله بيان ذلك فقال : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ إلى قوله : أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا فبين الله خيانته . فلحق بالمشركين من أهل مكة ، وارتد عن الإسلام ، فنزل فيه : وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ