محمد بن جرير الطبري
168
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بمثله . قال أبو جعفر : وهذه الأقوال قريب معنى بعضها من بعض ، لأن ما كان مفروضا فواجب ، وما كان واجبا أداؤه في وقت بعد وقت فمنجم . غير أن أولى المعاني بتأويل الكلمة قول من قال : إن فرض الصلاة كانت على المؤمنين فرضا منجما ، لأن الموقوت إنما هو مفعول من قول القائل : وقت الله عليك فرضه فهو يقته ، ففرضه عليك موقوت ، إذا أخبر أنه جعل له وقتا يجب عليك أداؤه . فكذلك معنى قوله : إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً إنما هو كانت على المؤمنين فرضا وقت وجوب أدائه ، فبين ذلك لهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلا تَهِنُوا ولا تضعفوا ، من قولهم : وهن فلان في هذا الأمر يهن وهنا ووهونا . وقوله : فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ يعني في التماس القوم وطلبهم ، والقوم هم أعداء الله وأعداء المؤمنين من أهل الشرك بالله إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ يقول : إن تكونوا أيها المؤمنون تيجعون مما ينالكم من الجراح منهم في الدنيا . فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ يقول : فإن المشركين ييجعون مما ينالهم منكم من الجراح والأذى ، مثل ما تيجعون أنتم من جراحهم وأذاهم فيها . وَتَرْجُونَ أنتم أيها المؤمنون مِنَ اللَّهِ من الثواب على ما ينالكم ، ما لا يَرْجُونَ هم على ما ينالهم منكم . يقول : فأنتم إذ كنتم موقنين من ثواب الله لكم على ما يصيبكم منهم بما هم به مكذبون ، أولى وأحرى أن تصبروا على حربهم وقتالهم منهم على قتالكم وحربكم وأن تجدوا من طلبهم وابتغائهم لقتالهم على ما تهنون هم فيه ولا يجدون ، فكيف على ما جدوا فيه ولم يهنوا ؟ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ منهم ، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ يقول لا تضعوا في طلب القوم ، فإنكم إن تكونوا تيجعون ، فإنهم ييجعون كما تيجعون ، وترجون من الله من الأجر والثواب ما لا يرجون . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ قال : يقول : لا تضعفوا في طلب القوم ، فإن تكونوا تيجعون من الجراحات ، فإنهم ييجعون كما تيجعون . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ لا تضعفوا . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : وَلا تَهِنُوا يقول : لا تضعفوا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ قال : يقول : لا تضعفوا عن ابتغائهم ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ القتال ، فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ قال : وهذا قبل أن تصيبهم الجراح إن كنتم تكرهون القتال فتألمونه فإنهم يألمون كما تألمون ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ يقول : فلا تضعفوا في ابتغائهم مكان القتال . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ توجعون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج : إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ قال : توجعون لما يصيبكم منهم ، فإنهم يوجعون كما توجعون . وَتَرْجُونَ أنتم من الثواب فيما يصيبكم ما لا يَرْجُونَ . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا حفص بن عمر ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : لما كان قتال أحد ، وأصاب المسلمين ما أصاب ، صعد النبي صلى الله عليه وسلم الجبل ، فجاء أبو سفيان فقال : يا محمد لا جرح إلا بجرح ، الحرب سجال ، يوم لنا ويوم لكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه رسول الله صلى الله عليه وسلم : " جيبوه " فقالوا : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار . فقال أبو سفيان : عزى لنا ولا عزى لكم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا له : الله مولانا ولا مولى لكم " . قال أبو سفيان : أعل هبل أعل هبل