محمد بن جرير الطبري

166

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فتسهون عنها . فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً يقول : فيحملون عليكم وأنتم مشاغيل بصلاتكم عن أسلحتكم وأمتعتكم جملة واحدة ، فيصيبون منكم غرة بذلك فيقتلونكم ، ويستبيحون عسكركم . يقول جل ثناؤه فلا تفعلوا ذلك بعد هذا ، فتشتغلوا جميعكم بصلاتكم إذا حضرتكم صلاتكم وأنتم مواقفو العدو ، فتمكنوا عدوكم من أنفسكم وأسلحتكم وأمتعتكم ولكن أقيموا الصلاة على ما بينت لكم ، وخذوا من عدوكم حذركم وأسلحتكم . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ ولا حرج عليكم ولا إثم ، إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ يقول : إن نالكم من مطر تمطرونه وأنتم مواقفو عدوكم . أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى يقول : جرحى أو أعلاء . أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ إن ضعفتم عن حملها ، ولكن إن وضعتم أسلحتكم من أذى مطر أو مرض ، فخذوا من عدوكم حذركم ، يقول : احترسوا منهم أن يميلوا عليكم وأنتم عنهم غافلون غارون . إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً يعني بذلك : أعد لهم عذابا مذلا يبقون فيه أبدا لا يخرجون منه ، وذلك هو عذاب جهنم . وقد ذكر أن قوله : أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى نزل في عبد الرحمن بن عوف ، وكان جريحا . ذكر من قال ذلك : حدثنا العباس بن محمد ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج : أخبرني يعلى بن مسلم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى عبد الرحمن بن عوف كان جريحا . القول في تأويل قوله تعالى : فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ يعني بذلك جل ثناؤه : فإذا فرغتم أيها المؤمنون من صلاتكم ، وأنتم مواقفو عدوكم التي بيناها لكم ، فاذكروا الله على كل أحوالكم قياما وقعودا ، ومضطجعين على جنوبكم بالتعظيم له ، والدعاء لأنفسكم بالظفر على عدوكم ، لعل الله أن يظفركم وينصركم عليهم . وذلك نظير قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ الأنفال : . وكما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً يقول : لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها جزاء معلوما . ثم عذر أهلها في حال عذر غير الذكر ، فإن الله لم يجعل له حدا ينتهي إليه ، ولم يعذر أحدا في تركه إلا مغلوبا على عقله ، فقال : فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ، بالليل والنهار ، في البر والبحر ، وفي السفر والنور ، والغنى والفقر ، والسقم والصحة ، والسر والعلانية ، وعلى كل حال . وأما قوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله ، فقال بعضهم : معنى قوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فإذا استقررتم في أوطانكم وأقمتم في أمصاركم ، فَأَقِيمُوا يعني : فأتموا الصَّلاةَ صلاة المقيم التي أذن لكم بقصرها في حال خوفكم في سفركم وضربكم في الأرض . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن رجل ، عن مجاهد في قوله فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ صلاة المقيم قال الخروج من دار السفر إلى دار الإقامة . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة ، في قوله فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ يقول : إذا اطمأننتم في أمصاركم فأتموا الصلاة صلاة المقيم . وقال آخرون معنى ذلك : فإذا استقررتم فأقيموا الصلاة صلاة المقيم ، أي فأتموا حدودها بركوعها وسجودها . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ قال : فإذا اطمأننتم بعد الخوف صلاة المقيم . وحدثني يونس ، قال أخبرنا ابن وهب ، قال قال ابن زيد في قوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ صلاة المقيم قال : فإذا اطمأننتم فصلوا الصلاة لا تصلها راكبا ولا ماشيا ولا قاعدا . حدثني محمد بن عمرو ، قال ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في ، قوله : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ صلاة المقيم