محمد بن جرير الطبري
13
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
سمعت أبا عمرو ، وسعيد بن عبد العزيز ، ومالك بن أنس ، ومالك بن عبد الله بن أبي مريم ، يقولون : لا يحل لحر مسلم ولا لعبد مسلم الأمة النصرانية ، لأن الله يقول : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ نكاح الإماء يعني بالنكاح . وقال آخرون : ذلك من الله على الإرشاد والندب ، لا على التحريم نكاح الإماء . وممن قال ذلك جماعة من أهل العراق . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن منصور ، عن مغيرة ، قال : قال أبو ميسرة ، أما أهل الكتاب بمنزلة الحرائر نكاح الإماء . ومنهم جماعة من أهل العراق أبو حنيفة وأصحابه . واعتلوا لقولهم بقول الله : أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قالوا : فقد أحل الله محصنات أهل الكتاب عاما ، فليس لأحد أن يخص منهن أمة ولا حرة . قالوا : ومعنى قوله : فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ نكاح الإماء غير المشركات من عبدة الأوثان . قال أبو جعفر : وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال : هو دلالة على تحريم نكاح إماء أهل الكتاب فإنهن لا يحللن إلا بملك اليمين ؛ وذلك أن الله جل ثناؤه أحل نكاح الإماء بشروط ، فما لم تجتمع الشروط التي سماها فيهن ، فغير جائز لمسلم نكاحهن . فإن قال قائل : فإن الآية التي في المائدة تدل على إباحتهن بالنكاح ؟ قيل : إن التي في المائدة قد أبان أن حكمها في خاص من محصناتهم ، وأنها معني بها حرائرهم دون إمائهم ، قوله : مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وليست إحدى الآيتين دافعة حكمها حكم الأخرى ، بل إحداهما مبينة حكم الأخرى ، وإنما تكون إحداهما دافعة حكم الأخرى لو لم يكن جائزا اجتماع حكميهما على صحة ، فأما وهما جائز اجتماع حكمهما على الصحة ، فغير جائز أن يحكم لإحدهما بأنها دافعة حكم الأخرى إلا بحجة التسليم لها من خبر أو قياس ، ولا خبر بذلك ولا قياس ، والآية محتملة ما قلنا : والمحصنات من حرائر الذين أوتوا الكتاب من قبلكم دون إمائهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ وهذا من المؤخر الذي معناه التقديم وتأويل ذلك : ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات ، فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ، فلينكح بعضكم من بعض ، بمعنى : فلينكح هذا فتاة هذا . ف " البعض " مرفوع بتأويل الكلام ، ومعناه إذ كان قوله : فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ في تأويل : فلينكح مما ملكت أيمانكم ، ثم رد بعضكم على ذلك المعنى فرفع . ثم قال جل ثناؤه : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ أي والله أعلم بإيمان من آمن منكم بالله ورسوله ، وما جاء به من عند الله ، فصدق بذلك كله منكم ، يقول : فلينكح من لم يستطع منكم طولا لحرة من فتياتكم المؤمنات ، لينكح هذا المقتر الذي لا يجد طولا لحرة من هذا الموسر فتاته المؤمنة التي قد أبدت الإيمان فأظهرته وكلوا سرائرهن إلى الله ، فإن علم ذلك إلى الله دونكم ، والله أعلم بسرائركم وسرائرهن . القول في تأويل قوله تعالى : فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ يعني بقوله جل ثناؤه : فَانْكِحُوهُنَّ فتزوجوهن ، وبقوله : بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ بإذن أربابهن وأمرهم إياكم بنكاحهن ورضاهم نكاح الإماء ويعني بقوله : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأعطوهن مهورهن : كما : حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ نكاح الإماء قال : الصداق . ويعني بقوله بِالْمَعْرُوفِ على ما تراضيتم به مما أحل الله لكم وأباحه لكم أن تجعلوه مهورا لهن نكاح الإماء . القول في تأويل قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يعني بقوله : مُحْصَناتٍ نكاح الإماء عفيفات ، غَيْرَ مُسافِحاتٍ غير مزانيات ، وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ يقول : ولا متخذات أصدقاء على السفاح . وقد ذكر أن ذلك قيل كذلك ، لأن الزواني كن في الجاهلية في العرب المعلنات بالزنا ، والمتخذات الأخدان : اللواتي قد حبسن أنفسهن على الخليل والصديق للفجور بها سرا دون الإعلان بذلك . ذكر من قال ذلك : حدثنا المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ نكاح الإماء يعني : تنكحوهن عفائف غير زواني في سر ولا علانية .