محمد بن جرير الطبري

154

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فيه السعة من ضيق الهم ، والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة ، وغير ذلك من معاني السعة التي هي بمعنى الروح والفرج من مكروه ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظهري المشركين وفي سلطانهم . ولم يضع الله دلالة على أنه عنى بقوله : " وسعة " بعض معاني السعة التي وصفنا ، فكل معاني السعة هي التي بمعنى الروح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش وغم جوار أهل الشرك وضيق المصدر ، بتعذر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة ، داخل في ذلك . وقد تأول قوم من أهل العلم هذه الآية ، أعني قوله : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ أنها في حكم الغازي يخرج للغزو فيدركه الموت بعد ما يخرج من منزله فاصلا فيموت ، أن له سهمه من المغنم وإن لم يكن شهد الوقعة . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا يوسف بن عدي ، قال : أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن أهل المدينة يقولون : من خرج فاصلا وجب سهمه ؛ وتأولوا قوله تبارك وتعالى : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ وإذا سرتم أيها المؤمنون في الأرض ، فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ يقول : فليس عليكم حرج ولا إثم ، أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ صلاة المسافر يعني أن تقصروا من عددها ، فتصلوا ما كان لكم عدده منها في الحضر وأنتم مقيمون أربعا ، اثنتين ، في قول بعضهم . وقيل : معناه : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إلى أقل عددها في حال ضربكم في الأرض ، أشار إلى واحدة في قول آخرين . وقال آخرون : معنى ذلك لا جناح عليكم أن تقصروا من حدود الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا . يعني : إن خشيتم أن يفتنكم الذين كفروا في صلاتكم وفتنتهم إياهم فيما حملهم عليهم وهم فيها ساجدون ، حتى يقتلوهم أو يأسروهم ، فيمنعوهم من إقامتها وأدائها ، ويحولوا بينهم وبين عبادة الله وإخلاص التوحيد له . ثم أخبرهم جل ثناؤه عما عليه أهل الكفر لهم فقال : إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً يعني : الجاحدون وحدانية الله كانوا لكم عدوا مبينا ، يقول : عدوا قد أبانوا لكم عداوتهم ، بمناصبتهم لكم الحرب على إيمانكم بالله وبرسوله ، وترككم عبادة ما يعبدون من الأوثان والأصنام ، ومخالفتكم ما هم عليه من الضلالة . واختلف أهل التأويل في معنى القصر الذي وضع الله الجناح فيه عن فاعله ، فقال بعضهم : في السفر من الصلاة صلاة المسافر التي كان واجبا تمامها في الحضر أربع ركعات ، وأذن في قصرها في السفر إلى اثنتين . ذكر من قال ذلك : حدثني عبيد بن إسماعيل الهباري ، قال : ثنا عبد الله بن إدريس ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه ، عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه : فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ صلاة المسافر وقد أمن الناس فقال : عجبت مما عجبت منه حتى سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا ابن إدريس ، عن ابن جريج ، عن ابن أبي عمار ، عن عبد الله بن بابيه عن يعلى بن أمية ، عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مثله . حدثنا سعيد بن يحيى الأموي ، قال : ثنا محمد بن أبي عدي ، عن ابن جريج ، قال : سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار يحدث عن عبد الله بن بابيه ، يحدث عن يعلى بن أمية ، قال : قلت لعمر بن الخطاب أعجب من قصر الناس الصلاة وقد آمنوا ، وقد قال الله تبارك وتعالى : أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا صلاة المسافر فقال عمر : عجبت مما عجبت منه ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته " . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا