محمد بن جرير الطبري

142

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

" كيف أنت ولا إله إلا الله " ؟ قال : يا رسول الله إنما قالها متعوذا ، تعوذ بها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وهو شققت عن قلبه فنظرت إليه ؟ " قال : يا رسول الله إنما قلبه بضعة من جسده . فأنزل الله عز وجل خبر هذا ، وأخبره إنما قتله من أجل جمله وغنمه ، فذلك حين يقول : تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فلما بلغ : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يقول : فتاب الله عليكم ، فحلف أسامة أن لا يقاتل رجلا يقول لا إله إلا الله بعد ذلك الرجل وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قال : بلغني أن رجلا من المسلمين أغار على رجل من المشركين ، فحمل عليه ، فقال له المشرك : إني مسلم ، أشهد أن لا إله إلا الله فقتله المسلم بعد أن قالها ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال للذي قتله : " أقتلته وقد قال لا إله إلا الله ؟ " فقال وهو يعتذر : يا نبي الله إنما قالها متعوذا وليس كذلك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فهلا شققت عن قلبه ؟ " ثم مات قاتل الرجل فقبر ، فلفظته الأرض ، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم : فأمرهم أن يقبروه ، ثم لفظته الأرض ، حتى فعل به ذلك ثلاث مرات ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأرض أبت أن تقبله في غار من الغيران " . قال معمر : وقال بعضهم : إن الأرض تقبل من هو شر منه ، ولكن الله جعله لكم عبرة . حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن منصور ، عن أبي الضحى ، عن مسروق : أن قوما من المسلمين لقوا رجلا من المشركين في غنيمة له ، فقال : السلام عليكم إني مؤمن فظنوا أنه يتعوذ بذلك ، فقتلوه ، وأخذوا غنيمته . قال : فأنزل الله جل وعز : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا تلك الغنيمة ؛ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن حبيب بن أبي عمرة ، عن سعيد بن جبير ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا قال : خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فمروا برجل في غنيمة له ، فقال : إني مسلم فقتله المقداد فلما قدموا ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فنزلت هذه الآية : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا قال : الغنيمة . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : نزل ذلك في رجل قتله أبو الدرداء فذكر من قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذكرت عن أسامة بن زيد ، وقد ذكرت في تأويل قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ، ثم قال في الخبر : ونزل الفرقان : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً فقرأ حتى بلغ : لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا غنمه التي كانت عرض الحياة الدنيا ، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ خير من تلك الغنم ، إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قال : راعي غنم ، لقيه نفر من المؤمنين ، فقتلوه وأخذوا ما معه ، ولم يقبلوا منه : والسلام عليكم ، فإني مؤمن " . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً قال : حرم الله على المؤمنين أن يقولوا لمن شهد أن لا إله إلا الله لست مؤمنا ، كما حرم عليهم الميتة ، فهو آمن على ماله ودمه ، ولا تردوا عليه قوله . واختلفت القراء في قراءة قوله : فَتَبَيَّنُوا فقرأ ذلك عامة قراء المكيين والمدنيين وبعض الكوفيين والبصريين : فَتَبَيَّنُوا بالباء والنون من التبين ، بمعنى : التأني والنظر والكشف عنه حتى يتضح . وقرأ ذلك عظم قراء الكوفيين : " فتثبتوا " بمعنى التثبت الذي هو خلاف العجلة . والقول عندنا في ذلك أنهما قراءتان معروفتان مستفيضتان في قراءة المسلمين بمعنى واحد وإن اختلفت بهما الألفاظ ، لأن المتثبت متبين ،