محمد بن جرير الطبري
129
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
بن هشام ومعهما رجل من بني عامر بن لؤي ، فأتوه بالمدينة ، وكان عياش أحب إخوته إلى أمه عياش ، فكلموه وقالوا : إن أمك عياش قد حلفت أن لا يظلها بيت حتى تراك وهي مضطجعة في الشمس ، فأتها لتنظر إليك ثم ارجع وأعطوه موثقا من الله لا يحجزونه حتى يرجع إلى المدينة . فأعطاه بعض أصحابه بعيرا له نجيبا ، وقال : إن خفت منهم شيئا فاقعد على النجيب . فلما أخرجوه من المدينة أخذوه فأوثقوه ، وجلده العامري ، فحلف ليقتلن العامري . فلم يزل محبوسا بمكة حتى خرج يوم الفتح ، فاستقبله العامري وقد أسلم ولا يعلم عياش بإسلامه ، فضربه فقتله ، فأنزل الله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً يقول : وهو لا يعلم أنه مؤمن ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا قتل الخطأ فيتركوا الدية . وقال آخرون : نزلت هذه الآية في أبي الدرداء . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً الآية . قال : نزل هذا في رجل قتله أبو الدرداء كانوا في سرية ، فعدل أبو الدرداء إلى شعب يريد حاجة له ، فوجد رجلا من القوم في غنم له ، فحمل عليه بالسيف ، فقال : لا إله إلا الله ، قال : فضربه ثم جاء بغنمه إلى القوم . ثم وجد في نفسه شيئا ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ألا شققت عن قلبه ؟ " فقال : ما عسيت أجد هل هو يا رسول الله إلا دم أو ماء ؟ قال : " فقد أخبرك بلسانه فلم مصدقه " ، قال : كيف بي يا رسول الله ؟ قال : " فكيف بلا إله إلا الله ؟ " قال : فكيف بي يا رسول الله ؟ قال : " فكيف بلا إله إلا الله " . حتى تمنيت أن يكون ذلك مبتدأ إسلامي . قال : ونزل القرآن : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً حتى بلغ : إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا قال : إلا أن يضعوها . قال أبو جعفر : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله عرف عباده بهذه الآية ما على من قتل مؤمنا خطأ من كفارة ودية . وجائز أن تكون الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة وقتيله ، وفي أبي الدرداء وصاحبه . وأي ذلك كان فالذي عنى الله تعالى بالآية تعريف عباده ما ذكرنا ، وقد عرف ذلك من عقل عنه من عباده تنزيله ، وغير ضائرهم جهلهم بمن نزلت فيه . وأما الرقبة المؤمنة فإن أهل العلم مختلفون في صفتها ، فقال بعضهم : لا تكون الرقبة مؤمنة حتى تكون قد اختارت الإيمان بعد بلوغها وصلت وصامت ، ولا يستحق الطفل هذه الصفة . ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا ابن علية ، عن أبي حيان ، قال : سألت الشعبي عن قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قال : قد صلت وعرفت الإيمان . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يعني بالمؤمنة : من عقل الإيمان وصام وصلى . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا وكيع ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، قال : ما كان في القرآن من رقبة مؤمنة فلا يجزي إلا من صام وصلى ، وما كان في القرآن من رقبة ليست مؤمنة فالصبي يجزئ . حدثت عن يزيد بن هارون ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، قال : كل شيء في كتاب الله فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فمن صام وصلى وعقل ، وإذا قال : " فتحرير رقبة " : فما شاء . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأعمش ، عن إبراهيم قال : كل شيء في القرآن فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فالذي قد صلى ، وما لم تكن " مؤمنة " ، فتحرير من لم يصل . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ والرقبة المؤمنة عند قتادة : من قد صلى . وكان يكره أن يعتق في هذا الطفل الذي لم يصل ولم يبلغ ذلك . حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي ، قال : ثنا فضيل بن عياض ، عن مغيرة ، عن إبراهيم في قوله : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ قال : إذا عقل دينه . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، قال في : فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يجزئ فيها صبي . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله