محمد بن جرير الطبري

123

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بما تكلم . فقال سعد بن معاذ : فإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله منه يريد عبد الله بن أبي ابن سلول . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال : نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة . وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب ؛ لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين : التأويل في أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم ، والآخر أنهم قوم كانوا من أهل المدينة ، وفي قول الله تعالى ذكره : فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر ، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك ، فلم يكن عليه فرض هجرة ، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه . واختلف أهل العربية في نصب قوله : فِئَتَيْنِ فقال بعضهم : هو منصوب على الحال ، كما تقول : ما لك قائما ، يعني ما لك في حال القيام . وهذا قول بعض البصريين ؛ وقال بعض نحويي الكوفيين : هو منصوب على فعل " ما لك " ، قال : ولا يبالي كان المنصوب في ما لك معرفة أو نكرة . قال : ويجوز في الكلام أن يقول : ما لك السائر معنا ، لأنه كالفعل الذي ينصب بكان وأظن وما أشبههما . قال : وكل موضع صلحت فيه " فعل " و " يفعل " من المنصوب جاز نصب المعرفة منه والنكرة ، كما ينصب كان وأظن لأنهن نواقص في المعنى وإن ظننت أنهن تامات . وهذا القول أولى بالصواب في ذلك ، لأن المطلوب في قول القائل : " ما لك قائما " القيام ، فهو في مذهب كان وأخواتها وأظن وصواحباتها . القول في تأويل قوله عز وجل : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا واختلف أهل التأويل في تأويل قوله : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ فقال بعضهم : معناه : ردهم ؛ كما قلنا . ذكر من قال ذلك : حدثنا الحسن ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ردهم . وقال آخرون : معنى ذلك : والله أوقعهم . ذكر من قال ذلك : حدثني المثنى ، قال : ثني عبد الله ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا يقول : أوقعهم . وقال آخرون : معنى ذلك : أضلهم وأهلكهم . ذكر من قال ذلك : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا أبو سفيان ، عن معمر ، عن قتادة : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ قال : أهلكهم . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أهلكهم بما عملوا . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أهلكهم . وقد أتينا على البيان عن معنى ذلك أركسهم قبل بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ يعني جل ثناؤه بقوله : أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أتريدون أيها المؤمنون أن تهدوا إلى الإسلام ، فتوفقوا للإقرار به والدخول فيه من أضله الله عنه ، يعني بذلك : من خذله الله عنه فلم يوفقه للإقرار به . وإنما هذا خطاب من الله تعالى ذكره للفئة التي دافعت عن هؤلاء المنافقين الذين وصف الله صفتهم في هذه الآية ، يقول لهم جل ثناؤه : أتبغون هداية هؤلاء الذين أضلهم الله فخذلهم عن الحق واتباع الإسلام بمدافعتكم عن قتالهم من أراد قتالهم من المؤمنين ؟ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يقوله : ومن خذله عن دينه واتباع ما أمره به من الإقرار به وبنبيه محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عنده ، فأضله عنه ، فلن تجد له يا محمد سبيلا ، يقول : فلن تجد له طريقا تهديه فيها إلى إدراك ما خذله الله ، ولا منهجا يصل منه إلى الأمر الذي قد حرمه الوصول إليه . القول في تأويل قوله : وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ يعني جل