محمد بن جرير الطبري
121
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من خبري : أني جامعكم إلى يوم القيامة بعد مماتكم . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً يعني بذلك : واعلموا حقيقة ما أخبركم من الخبر ، فإني جامعكم إلى يوم القيامة للجزاء والعرض والحساب والثواب والعقاب يقينا ، فلا تشكوا في صحته ، ولا تمتروا في حقيته ، فإن قولي الصدق الذي لا كذب فيه ، ووعدي الصدق الذي لا خلف له . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً يقول : وأي ناطق أصدق من الله حديثا ؟ وذلك أن الكاذب إنما يكذب ليجتلب بكذبه إلى نفسه نفعا أو يدفع به عنها ضرا ، والله تعالى ذكره خالق الضر والنفع ، فغير جائز أن يكون منه كذب ، لأنه لا يدعوه إلى اجتلاب نفع إلى نفسه ، أو دفع ضر عنها سواه تعالى ذكره ، فيجوز أن يكون له في استحالة الكذب منه نظيرا ، ومن أصدق من الله حديثا وخبرا . القول في تأويل قوله تعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا يعني جل ثناؤه بقوله : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ فما شأنكم أيها المؤمنون في أهل النفاق فئتين مختلفتين . وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا ، يعني بذلك : والله ردهم إلى أحكام أهل الشرك في إباحة دمائهم وسبي ذراريهم . والإركاس : الرد ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت : فأركسوا في حميم النار إنهم * كانوا عصاة وقالوا الإفك والزورا يقال منه : أركسهم وركسهم . وقد ذكر أنها أركسهم في قراءة عبد الله وأبي : " والله ركسهم " بغير ألف . واختلف أهل التأويل في الذين نزلت فيهم هذه الآية ، فقال بعضهم : نزلت في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ، وانصرفوا إلى المدينة ، وقالوا لرسول الله عليه الصلاة والسلام ولأصحابه رسول الله عليه الصلاة والسلام : لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ . ذكر من قال ذلك : حدثني الفضل بن زياد الواسطي ، قال : ثنا أبو داود ، عن شعبة ، عن عدي بن ثابت ، قال : سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري يحدث عن زيد بن ثابت : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد ، رجعت طائفة ممن كان معه رسول الله عليه الصلاة والسلام ، فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين ، فرقة تقول : نقتلهم ، وفرقة تقول : لا . فنزلت هذه الآية : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة : " إنها طيبة وإنها تنفي خبثها كما تنفي النار خبث الفضة " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال : ثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت ، قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه . حدثني زريق بن السخت ، قال : ثنا شبابة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد ، عن زيد بن ثابت ، قال : ذكروا المنافقين عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال فريق : نقتلهم ، وقال فريق : لا نقتلهم فأنزل الله تبارك وتعالى : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ إلى آخر الآية . وقال آخرون : بل نزلت في اختلاف كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوم كانوا قدموا المدينة من مكة ، فأظهروا للمسلمين أنهم مسلمون ، ثم رجعوا إلى مكة وأظهروا لهم الشرك . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ قال : قوم خرجوا من مكة حتى أتوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون ، ثم ارتدوا بعد ذلك ، فاستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتجرون فيها . فاختلف فيهم المؤمنون ، فقائل يقول : هم منافقون ، وقائل يقول : هم مؤمنون . فبين الله نفاقهم ، فأمر بقتالهم . فجاءوا ببضائعهم يريدون المدينة ، فلقيهم هلال بن عويمر الأسلمي ، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم حلف ، وهو الذي حصر صدره أن يقاتل المؤمنين أو يقاتل قومه ، فدفع عنهم بأنهم يؤمنون هلالا ، وبينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله بنحوه ، غير أنه قال : فبين الله نفاقهم ، وأمر بقتالهم فلم يقاتلوا