محمد بن جرير الطبري

100

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ممن أذن له في الرضا بحكمه والمسارعة إلى طاعته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ يعني بذلك جل ثناؤه : ولو أن هؤلاء المنافقين الذين وصف صفتهم في هاتين الآيتين ، الذين إذا دعوا إلى حكم الله وحكم رسوله صدوا صدودا ، إذ ظلموا أنفسهم باكتسابهم إياها العظيم من الإثم في احتكامهم إلى الطاغوت وصدودهم عن كتاب الله وسنة رسوله ، إذا دعوا إليها جاءوك يا محمد حين فعلو ما فعلوا من مصيرهم إلى الطاغوت راضين بحكمه دون حكمك ، جاءوك تائبين منيبين ، فسألوا الله أن يصفح لهم عن عقوبة ذنبهم بتغطيته عليهم ، وسأل لهم الله رسوله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك . وذلك هو معنى قوله : فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ . وأما قوله : لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً فإنه يقول : لو كانوا فعلوا ذلك فتابوا من ذنبهم لوجدوا الله توابا ، يقول : راجعا لهم مما يكرهون إلى ما يحبون ، رحيما بهم في تركه عقوبتهم على ذنبهم الذي تابوا منه . وقال مجاهد : عنى بذلك : اليهودي والمسلم اللذان تحاكما إلى كعب بن الأشرف . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلى قوله : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً قال : إن هذا في الرجل اليهودي والرجل المسلم اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف . القول في تأويل قوله تعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً يعني جل ثناؤه بقوله : فَلا فليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون بما أنزل إليك ، وهم يتحاكمون إلى الطاغوت ، ويصدون عنك إذا دعوا إليك يا محمد . واستأنف القسم جل ذكره ، فقال : وَرَبِّكَ يا محمد لا يُؤْمِنُونَ أي لا يصدقون بي وبك ، وبما أنزل إليك ، حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ يقول : حتى يجعلوك حكما بينهم فيما اختلط بينهم من أمورهم ، فالتبس عليهم حكمه ، يقال : شجر يشجر شجورا وشجرا ، وتشاجر القوم إذا اختلفوا في الكلام والأمر مشاجرة وشجارا ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ يقول : لا يجدوا في أنفسهم ضيقا مما قضيت ، وإنما معناه : ثم لا تحرج أنفسهم مما قضيت : أي لا تأثم بإنكارها ما قضيت وشكها في طاعتك طاعة الرسول وأن الذي قضيت به بينهم حق لا يجوز لهم خلافه . كما : حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ قال : شكا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا حكام ، عن عنبسة ، عن محمد بن عبد الرحمن ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن مجاهد في قوله : حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ يقول : شكا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد مثله . حدثنا يحيى بن أبي طالب ، قال : أخبرنا يزيد ، قال : أخبرنا جويبر ، عن الضحاك ، في قوله : ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ قال : إثما وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً يقول : ويسلموا لقضائك وحكمك ، إذعانا منهم بالطاعة طاعة الرسول ، وإقرارا لك بالنبوة تسليما . واختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية وفيمن نزلت ، فقال بعضهم : نزلت في الزبير بن العوام وخصم له من الأنصار ، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور . ذكر الرواية بذلك : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني يونس والليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، أن عروة بن الزبير حدثه ، أن عبد الله بن الزبير حدثه ، عن الزبير بن العوام : أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدر ا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج من الحرة كانا يسقيان به كلاهما النخل ، فقال الأنصاري : سرح الماء يمر فأبى عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال : يا رسول الله ، أن كان ابن عمتك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ثم أرسل الماء إلى جارك " واستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه قال أبو جعفر : والصواب : " استوعب " . وكان