محمد بن جرير الطبري

98

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فعيرهم ، ثم ذكر قول النضيري : كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا وتقتل منهم ولا يقتلون ، فقال : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ . وأخذ النضيري فقتله بصاحبه . فتفاخرت النضير وقريظة ، فقالت النضير : نحن أكرم منكم ، وقالت قريظة : نحن أكرم منكم ، ودخلوا المدينة إلى أبي برزة الكاهن الأسلمي ، فقال المنافق من قريظة والنضير : انطلقوا إلى أبي برزة ينفر بيننا وقال المسلمون من قريظة والنضير : لا ، بل النبي صلى الله عليه وسلم ينفر بيننا ، فتعالوا إليه فأبى المنافقون ، وانطلقوا إلى أبي برزه فسألوه ، فقال : أعظموا اللقمة يقول : أعظموا الخطر . فقالوا : لك عشرة أوساق ، قال : لا ، بل مائة وسق ديتي ، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة ، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق ، وأبى أن يحكم بينهم ، فأنزل الله عز وجل : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وهو أبو برزة ، وقد أمروا أن يكفروا به ، إلى قوله : وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً . وقال آخرون : الطاغوت في هذا الموضع : هو كعب بن الأشرف . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ والطاغوت : رجل من اليهود كان يقال له كعب بن الأشرف ، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا : بل نحاكمكم إلى كعب ؛ فذلك قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ الآية . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ قال : تنازع رجل من المنافقين ورجل من اليهود ، فقال المنافق : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف وقال اليهودي : اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله تبارك وتعالى : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ الآية والتي تليها فيهم أيضا . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ فذكر مثله ، إلا أنه قال : وقال اليهودي : اذهب بنا إلى محمد . حدثنا المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس في قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ إلى قوله : ضَلالًا بَعِيداً قال : كان رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينهما خصومة ، أحدهم مؤمن ، والآخر منافق . فدعاه المؤمن إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، فأنزل الله : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ قال : تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود ، فقال اليهودي : اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف ، وقال المؤمن : اذهب بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال الله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إلى قوله : صُدُوداً . قال ابن جريج : يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ، قال : القرآن ، وما أنزل من قبلك ، قال : التوراة . قال : يكون بين المسلم والمنافق الحق ، فيدعوه المسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحاكمه إليه ، فيأبى المنافق ويدعوه إلى الطاغوت . قال ابن جريج : قال مجاهد : الطاغوت : كعب بن الأشرف . حدثنا عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سلمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ هو كعب بن الأشرف . وقد بينا معنى الطاغوت في غير هذا الموضع ، فكرهنا إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً يعني بذلك جل ثناؤه : ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين ، وإلى الذي يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك