محمد بن جرير الطبري

6

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن هذه الآية : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فلم يقل فيها شيئا ؟ قال : فقال : كان لا يعلمها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى ، عن مجاهد ، قال : لو أعلم من يفسر لي هذه الآية لضربت إليه أكباد الإبل ، قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إلى قوله : فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى آخر الآية . قال أبو جعفر : فأما المحصنات فإنهن جمع محصنة ، وهي التي قد منع فرجها بزوج ، يقال منه : أحصن الرجل امرأته فهو يحصنها إحصانا وحصنت هي فهي تحصن حصانة : إذا عفت ، وهي حاصن من النساء : عفيفة ، كما قال العجاج : وحاصن من حاصنات ملس * عن الأذى وعن قراف الوقس ويقال أيضا إذا هي عفت وحفظت فرجها من الفجور : قد أحصنت فرجها فهي محصنة ، كما قال جل ثناؤه : وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها بمعنى : حفظته من الريبة ومنعته من الفجور . وإنما قيل لحصون المدائن والقرى حصون لمنعها من أرادها وأهلها ، وحفظها ما وراءها ممن بغاها من أعدائها ، ولذلك قيل للدرع درع حصينة . فإذ كان أصل الإحصان ما ذكرنا من المنع والحفظ فبين أن معنى قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ والممنوعات من النساء حرام عليكم إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وإذ كان ذلك معناه ، وكان الإحصان قد يكون بالحرية ، كما قال جل ثناؤه : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ ويكون بالإسلام ، كما قال تعالى ذكره : فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ويكون بالعفة كما قال جل ثناؤه : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ويكون بالزوج ؛ ولم يكن تبارك وتعالى خص محصنة دون محصنة في قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ نكاح ذوات الزوج فواجب أن يكون كل محصنة بأي معاني الإحصان كان إحصانها حراما علينا سفاحا أو نكاحا ، إلا ما ملكته أيماننا منهن بشراء ، كما أباحه لنا كتاب الله جل ثناؤه ، أو نكاح على ما أطلقه لنا تنزيل الله . فالذي أباحه تبارك وتعالى لنا نكاحا من الحرائر الأربع سوى اللواتي حرمن علينا بالنسب والصهر ، ومن الإماء ما سبينا من العدو سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حرم علينا من الحرائر بالنسب والصهر ، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرم بذلك المعنى متفقات المعاني ، وسوى اللواتي سبيناهن من أهل الكتابين ولهن أزواج ، فإن السباء يحلهن لمن سباهن بعد الاستبراء ، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخمس منهن . فأما السفاح فإن الله تبارك وتعالى حرمه من جميعهن ، فلم يحله من حرة ولا أمة ولا مسلمة ولا كافرة مشركة . وأما الأمة التي لها زوج فإنها لا تحل لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها ، أو وفاته وانقضاء عدتها منه ، فأما بيع سيدها إياها فغير موجب بينها وبين زوجها فراقا ولا تحليلا لمشتريها ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنه خير بريرة إذ أعتقتها عائشة بين المقام مع زوجها الذي كان سادتها زوجوها منه في حال رقها ، وبين فراقه " ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عتق عائشة إياها طلاقا . ولو كان عتقها وزوال ملك عائشة إياها لها طلاقا لم يكن لتخيير النبي صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق معنى ، ولوجب بالعتق الفراق ، وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق ؛ فلما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق كان معلوما أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقده ثابت ، كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها ، فكان نظيرا للعتق الذي هو زوال ملك مالك المملوكة ذات الزوج عنها البيع الذي هو زوال ملك مالكها عنها ، إذ كان أحدهما زوالا ببيع والآخر بعتق في أن الفرقة لا يجب بها بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما طلاق وإن اختلفا في معان أخر ، من أن لها في العتق الخيار في المقام مع زوجها والفراق ، لعلة مفارقة معنى البيع ، وليس ذلك لها في البيع . فإن قال قائل : وكيف يكون معنيا بالاستثناء من قوله : وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ نكاح ذوات الزوج ما وراء الأربع من الخمس إلى ما فوقهن بالنكاح