محمد بن جرير الطبري

60

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

والأرض ، ذكر أن معنى ذلك : وجنة عرضها كعرض السماوات السبع ، والأرضين السبع ، إذا ضم بعضها إلى بعض . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ قال : قال ابن عباس : تقرن السماوات السبع والأرضون السبع ، كما تقرن الثياب بعضها إلى بعض ، فذاك عرض الجنة . وإنما قيل : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فوصف عرضها بالسماوات والأرضين ، والمعنى ما وصفنا من وصف عرضها بعرض السماوات والأرض ، تشبيها به في السعة والعظم ، كما قيل : ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ يعني إلا كبعث نفس واحدة ، وكما قال الشاعر : كأن عذيرهم بجنوب سلى * نعام قاق في بلد قفار أي عذير نعام ، وكما قال الآخر : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يريد صوت عناق . وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل فقيل له : هذه الجنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟ فقال : " هذا النهار إذا جاء ، أين الليل ؟ " . ذكر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : أخبرني مسلم بن خالد ، عن ابن خثيم ، عن سعيد بن أبي راشد ، عن يعلى بن مرة ، قال : لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمص شيخا كبيرا قد أقعد ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتاب هرقل ، فناول الصحيفة رجلا عن يساره ، قال : قلت من صاحبكم الذي يقرأ ؟ قالوا : معاوية ، فإذا هو : إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين ، فأين النار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وسبحان الله ، فأين الليل إذا جاء النهار ؟ " حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب : أن ناسا من اليهود سألوا عمر بن الخطاب عن جنة عرضها السماوات والأرض ، أين النار ؟ قال : وأرأيتم إذا جاء الليل أين يكون النهار ؟ " فقالوا : اللهم نزعت مثله من التوراة . حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب : أن عمر أتاه ثلاثة نفر من أهل نجران ، فسألوه وعنده أصحابه ، فقالوا : أرأيت قوله : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فأين النار ؟ فأحجم الناس ، فقال عمر : " أرأيتم إذا جاء الليل ، أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار ، أين يكون الليل ؟ " فقالوا : نزعت مثلها من التوراة . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : أخبرنا شعبة ، عن إبراهيم بن مهاجر ، عن طارق بن شهاب ، عن عمر ، بنحوه في الثلاثة الرهط الذين أتوا عمر ، فسألوه عن جنة عرضها كعرض السماوات والأرض ، بمثل حديث قيس بن مسلم . حدثنا مجاهد بن موسى ، قال : ثنا جعفر بن عون ، أخبرنا الأعمش ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب ، قال : جاء رجل من اليهود إلى عمر ، فقال : تقولون : جنة عرضها السماوات والأرض أين تكون النار ؟ فقال له عمر : أرأيت النهار إذا جاء ، أين يكون الليل ؟ أرأيت الليل إذا جاء ، أين يكون النهار ؟ فقال : إنه لمثلها في التوراة ، فقال له صاحبه : لم أخبرته ؟ فقال له صاحبه : دعه إنه بكل موقن . حدثني أحمد بن حازم ، قال : أخبرنا أبو نعيم ، قال : ثنا جعفر بن برقان ، قال : ثنا يزيد بن الأصم أن رجلا من أهل الكتاب أتى ابن عباس ، فقال : تقولون جنة عرضها السماوات والأرض ، فأين النار ؟ فقال ابن عباس : أرأيت الليل إذا جاء ، أين يكون النهار ؟ وإذا جاء النهار ، أين يكون الليل ؟ وأما قوله : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ فإنه يعني : إن الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرضين السبع أعدها الله للمتقين ، الذين اتقوا الله ، فأطاعوه فيما أمرهم ونهاهم ، فلم يتعدوا حدوده ، ولم يقصروا