محمد بن جرير الطبري
55
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
حدثني أحمد بن يحيى الصوفي ، قال : ثنا عبد الرحمن بن شريك ، قال : ثنا أبي ، قال : ثنا هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عبد الله بن الزبير : أن الزبير كانت عليه ملاءة صفراء يوم بدر ، فاعتم بها ، فنزلت الملائكة يوم بدر على نبي الله صلى الله عليه وسلم معممين بعمائم صفر فهذه الأخبار التي ذكرنا بعضها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه : " تسوموا فإن الملائكة قد تسومت " وقول أبي أسيد : خرجت الملائكة في عمائم صفر قد طرحوها بين أكتافهم ، وقول من قال منهم : مُسَوِّمِينَ معلمين ، ينبئ جميع ذلك عن صحة ما اخترنا من القراءة في ذلك ، وأن التسويم كان من الملائكة بأنفسها ، على نحو ما قلنا في ذلك فيما مضى . وأما الذين قرءوا ذلك " مسومين " بالفتح ، فإنهم أراهم تأولوا في ذلك ما : حدثنا به حميد بن مسعدة ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، عن عثمان بن غياث ، عن عكرمة : بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ يقول : عليهم سيما القتال . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ، يقول : عليهم سيما القتال ، وذلك يوم بدر ، أمدهم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ، يقول : عليهم سيما القتال . فقالوا : كان سيما القتال عليهم ، لا أنهم كانوا تسوموا بسيما فيضاف إليهم التسويم ، فمن أجل ذلك قرءوا : " مسومين " بمعنى أن الله تعالى أضاف التسويم إلى من سومهم تلك السيما . والسيما : العلامة ، يقال : هي سيما حسنة ، وسيمياء حسنة ، كما قال الشاعر : غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لاتشق على البصر يعني بذلك علامة من حسن . فإذا أعلم الرجل بعلامة يعرف بها في حرب أو غيره ، قيل : سوم نفسه ، فهو يسومها تسويما . القول في تأويل قوله تعالى : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني تعالى ذكره : وما جعل الله وعده إياكم ما وعدكم من إمداده إياكم بالملائكة الذين ذكر عددهم إلا بشرى لكم ، يعني بشرى يبشركم بها ، وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ يقول : وكي تطمئن بوعده الذي وعدكم من ذلك قلوبكم ، فتسكن إليه ، ولا تجزع من كثرة عدد عدوكم ، وقلة عددكم . وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني وما ظفركم إن ظفرتم بعدوكم إلا بعون الله ، لا من قبل المدد الذي يأتيكم من الملائكة ، يقول : فعلى الله فتوكلوا ، وبه فاستعينوا ، لا بالجموع وكثرة العدد ، فإن نصركم إن كان إنما يكون بالله وبعونه ومعكم من ملائكته خمسة آلاف ، فإنه إلى أن يكون ذلك بعون الله وبتقويته إياكم على عدوكم ، وإن كان معكم من البشر جموع كثيرة أخرى ، فاتقوا الله واصبروا على جهاد عدوكم ، فإن الله ناصركم عليهم . كما : حدثا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ يقول : إنما جعلهم ليستبشروا بهم ، وليطمئنوا إليهم ، ولم يقاتلوا معهم يومئذ ، يعني يوم أحد . قال مجاهد : ولم يقاتلوا معهم يومئذ ولا قبله ولا بعده إلا يوم بدر . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ لما أعرف من ضعفكم ، وما النصر إلا من عندي بسلطاني وقدرتي ، وذلك أني أعرف الحكمة التي لا إلى أحد من خلقي . حدثنا يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لو شاء أن ينصركم بغير الملائكة فعل العزيز الحكيم . وأما معنى قوله : الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ فإنه جل ثناؤه يعني : العزيز في انتقامه من أهل الكفر بأيدي أوليائه من أهل طاعته ، الحكيم في تدبيره لكم أيها المؤمنون على أعدائكم من أهل الكفر ، وغير ذلك من أموره . يقول : فأبشروا أيها المؤمنون بتدبيري لكم على أعدائكم ، ونصري إياكم عليهم إن أنتم أطعتموني فيما أمرتكم به وصبرتم لجهاد عدوى وعدوكم . القول في تأويل قوله تعالى : لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ