محمد بن جرير الطبري

53

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

فَوْرِهِمْ هذا يقول : من وجههم هذا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يقول : من سفرهم هذا ، ويقال : يعني عن غير ابن عباس ، بل هو من غضبهم هذا . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من وجههم هذا وقال آخرون : معنى ذلك : من غضبهم هذا . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الأعلى ، قال : ثنا داود ، عن عكرمة في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ قال : فورهم ذلك كان يوم أحد ، غضبوا ليوم بدر مما لقوا . حدثني محمد بن عمارة ، قال : ثنا سهل بن عامر ، قال : ثنا مالك بن مغول ، قال : سمعت أبا صالح مولى أم هانئ يقول : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يقول : من غضبهم هذا . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا قال : غضب لهم ، يعني الكفار ، فلم يقاتلوهم عند تلك الساعة ، وذلك يوم أحد . حدثني القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثنا حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال مجاهد : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا قال : من غضبهم هذا . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك في قوله : وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يقول : من وجههم وغضبهم . وأصل الفور : ابتداء الأمر يؤخذ فيه ، ثم يوصل بآخر ، يقال منه : فارت القدر فهي تفور فورا وفورانا : إذا ما ابتدأ ما فيها بالغليان ثم اتصل ؛ ومضيت إلى فلان من فوري ذلك ، يراد به : من وجهي الذي ابتدأت فيه . فالذي قال في هذه الآية : معنى قوله : مِنْ فَوْرِهِمْ هذا من وجههم هذا ، قصد إلى أن تأويله : ويأتيكم كرز بن جابر وأصحابه يوم بدر ، من ابتداء مخرجهم الذي خرجوا منه لنصرة أصحابهم من المشركين . وأما الذين قالوا : معنى ذلك : من غضبهم هذا ، فإنما عنوا أن تأويل ذلك : ويأتيكم كفار قريش وتباعهم يوم أحد من ابتداء غضبهم الذي غضبوه لقتلاهم الذين قتلوا يوم بدر بها يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ . كذلك من اختلاف تأويلهم في معنى قوله وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا اختلف أهل التأويل في إمداد الله المؤمنين بأحد بملائكته ، فقال بعضهم : لم يمدوا بهم ، لأن المؤمنين لم يصبروا لأعدائهم ، ولم يتقوا الله عز وجل بترك من ترك من الرماة طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثبوته في الموضع الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثبوت فيه ، ولكنهم أخلوا به طلبا للغنائم ، فقتل من المسلمين ، ونال المشركون منهم ما نالوا . وإنما كان الله عز وجل وعد نبيه صلى الله عليه وسلم إمدادهم بهم إن صبروا واتقوا الله . وأما الذين قالوا : كان ذلك يوم بدر بسبب كرز بن جابر ، فإن بعضهم قالوا : لم يأت كرز وأصحابه إخوانهم من المشركين مددا لهم ببدر ، ولم يمد الله المؤمنين بملائكته ، لأن الله عز وجل إنما وعدهم أن يمدهم بملائكته إن أتاهم كرز ومدد المشركين من فورهم ، ولم يأتهم المدد . وأما الذين قالوا : إن الله تعالى ذكره أمد المسلمين بالملائكة يوم بدر ، فإنهم اعتلوا بقول الله عز وجل : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ قال : فالألف منهم قد أتاهم مددا ، وإنما الوعد الذي كانت فيه الشروط فيما زاد على الألف ، فأما الألف فقد كانوا أمدوا به ، لأن الله عز وجل كان قد وعدهم ذلك ، ولن يخلف الله وعده . واختلف القراء في قراءة قوله : مُسَوِّمِينَ فقرأ ذلك عامة قراء أهل المدينة والكوفة : " مسومين " بفتح الواو ، بمعنى أن الله سومها . وقرأ ذلك بعض قراء أهل الكوفة والبصرة : مُسَوِّمِينَ بكسر الواو ، بمعنى أن الملائكة سومت لنفسها . وأولى القراءتين في ذلك بالصواب قراءة من قرأ بكسر الواو ، لتظاهر الأخبار عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل التأويل منهم ومن التابعين بعدهم ، بأن الملائكة هي التي سومت أنفسها من غير إضافة تسويمها إلى