محمد بن جرير الطبري
3
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
من ذلك عليهم حراما ، لا حرمه الله عليهم في التوراة ، وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه إلى الله . فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه ، فقال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل لهم يا محمد : إن كنتم صادقين ، فأتوا بالتوراة فاتلوها ، حتى ننظر هل ذلك فيها ، أم لا ؟ ليتبين كذبهم لمن يجهل أمرهم . ذكر من قال ذلك : حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ إسرائيل : هو يعقوب ، أخذه عرق النسا ، فكان لا يثبت الليل من وجعه ، وكان لا يؤذيه بالنهار . فحلف لئن شفاه الله لا يأكل عرقا أبدا ، وذلك قبل نزول التوراة على موسى . فسأل نبي الله صلى الله عليه وسلم اليهود ما هذا الذي حرم إسرائيل على نفسه ؟ فقالوا : نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل فقال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إلى قوله : فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وكذبوا وافتروا ، لم تنزل التوراة بذلك . وتأويل الآية على هذا القول وإنما هو شيء حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم ، ثم أضافوا تحريمه إلى الله فكذبهم الله عز وجل في إضافتهم ذلك إليه ، فقال الله عز وجل لنبيه : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة وبعد نزولها ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، بمعنى : لكن إسرائيل حرم على نفسه من قبل أن تنزل التوراة بعض ذلك . وكأن الضحاك وجه قوله : إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ إلى الاستثناء الذي يسميه النحويون : الاستثناء المنقطع . وقال آخرون تأويل ذلك : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ، فإن ذلك حرام على ولده بتحريم إسرائيل إياه على ولده ، من غير أن يكون الله حرمه على إسرائيل ولا على ولده . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس قوله : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ فإنه حرم على نفسه العروق ، وذلك أنه كان يشتكي عرق النسا ، فكان لا ينام الليل ، فقال : والله لئن عافاني الله منه لا يأكله لي ولد وليس مكتوبا في التوراة . وسأل محمد صلى الله عليه وسلم نفرا من أهل الكتاب ، فقال " ما شأن هذا حراما ؟ " فقالوا : هو حرام علينا من قبل الكتاب . فقال الله عز وجل : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إلى : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج ، قال ابن عباس : أخذه يعني إسرائيل عرق النسا ، فكان لا يثبت بالليل من شدة الوجع ، وكان لا يؤذيه بالنهار ، فحلف لئن شفاه الله لا يأكل عرقا أبدا ، وذلك قبل أن تنزل التوراة ، فقال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم : نزلت التوراة بتحريم الذي حرم إسرائيل على نفسه . قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وكذبوا ، ليس في التوراة قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب ، قول من قال : معنى ذلك : كل الطعام كان حل لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة ، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من غير تحريم الله ذلك عليه ، فإن كان حراما عليهم بتحريم أبيهم إسرائيل ذلك عليهم ، من غير أن يحرمه الله عليهم في تنزيل ولا بوحي قبل التوراة ، حتى نزلت التوراة ، فحرم الله عليهم فيها ما شاء ، وأحل لهم فيها ما أحب . وهذا قول قالته جماعة من أهل التأويل ، وهو معنى قول ابن عباس الذي ذكرناه قبل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلَّا ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ وإسرائيل : هو يعقوب . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل من قبل أن تنزل التوراة . إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فلما أنزل الله التوراة حرم عليهم فيها ما شاء . وأحل لهم ما شاء . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن قتادة بنحوه . واختلف أهل التأويل في الذي كان إسرائيل حرمه على نفسه ، فقال بعضهم : كان الذي حرمه إسرائيل على نفسه