محمد بن جرير الطبري
45
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أقرب حركات الحروف التي قبلها ، وذلك حركة الضاد ، وهي الضمة ، فألحقت بها حركة الراء لقربها منها ، كما قالوا : مد يا هذا . والوجه الآخر من وجهي الرفع في ذلك : أن تكون مرفوعة على صحة ، وتكون " لا " بمعنى " ليس " ، وتكون الفاء التي هي جواب الجزاء متروكة لعلم السامع بموضعها . وإذا كان ذلك معناه ، كان تأويل الكلام : وإن تصبروا وتتقوا فليس يضركم كيدهم شيئا ، ثم تركت الفاء من قوله : لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ ووجهت " لا " إلى معنى " ليس " ، كما قال الشاعر : فإن كان لا يرضيك حتى تردني * إلى قطري لا إخالك راضيا ولو كانت الراء محركة إلى النصب والخفض كان جائزا ، كما قيل : مد يا هذا ، ومد . وقوله : إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ يقول جل ثناؤه : إن الله بما يعمل هؤلاء الكفار في عباده وبلاده من الفساد والصد عن سبيله والعداوة لأهل دينه وغير ذلك من معاصي الله ، محيط بجميعه ، حافظ له لا يعزب عنه شيء منه ، حتى يوفيهم جزاءهم على ذلك كله ويذيقهم عقوبته عليه . القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ يعني جل ثناؤه بقوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم أيها المؤمنون كيد هؤلاء الكفار من اليهود شيئا ، ولكن الله ينصركم عليهم إن صبرتم على طاعتي ، واتباع أمر رسولي ، كما نصرتكم ببدر وأنتم أذلة . وإن أنتم خالفتم أيها المؤمنون أمري ، ولم تصبروا على ما كلفتكم من فرائضي ، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه ، وخالفتم أمري ، وأمر رسولي ، فإنه نازل بكم ما نزل بكم بأحد ، واذكروا ذلك اليوم إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين ؛ فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه ، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم ، إن صبروا على أمره ، واتقوا محارمه ، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حل بهم من البلاء بأحد ، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتنازعوا الرأي بينهم . وأخرج الخطاب في قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ على وجه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمراد بمعناه الذين نهاهم أن يتخذ الكفار من اليهود بطانة من دون المؤمنين ، فقد بين إذا أن قوله : " وإذ " إنما جرها في معنى الكلام على ما قد بينت وأوضحت . وقد اختلف أهل التأويل في اليوم الذي عنى الله عز وجل بقوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فقال بعضهم : عنى بذلك يوم أحد . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ قال : مشى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ على رجليه يبوئ المؤمنين . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ذلك يوم أحد ، غدا نبي الله صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال . حدثت عن عمار ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع ، قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فغدا النبي صلى الله عليه وسلم من أهله إلى أحد يبوئ المؤمنين مقاعد للقتال . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ فهو يوم أحد . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ قال : هنا يوم أحد . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : مما نزل في يوم أحد : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ وقال آخرون : عنى بذلك يوم الأحزاب . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سنان القزاز ، قال : ثنا أبو بكر الحنفي ، قال : ثنا عباد ، عن الحسن في